شهد العالم مع مطلع تسعينات القرن عشرين، تقلبات  اقتصادية ساهمت في تغيير المشهد الاقتصادي خاصة بعد  انضمام معظم الدول إلى المنظمة العالمية للتجارة وما انجر عنها من تحرر الاقتصاد والتوجه نحو فتح السوق الداخلية الذي أدى إلى اشتداد المنافسة سواء على المستوى الوطني أو الخارجي قصد الحصول على مكانة متميزة داخل السوق تسمح بكلية الحقوق والعلوم السياسية تونس المنار باستمرارية المؤسسة ، فتم إعادة صياغة بعض أحكام مجلة الشغل و تطويع قواعدها للاستجابة للمقتضيات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها عولمة الاقتصاد. 

ولعل التنقيحات المتواترة على مجلة الشغل سنة 1994 و 1996، 2007 تندرج ضمن هذا الإطار، ذلك أن المشرع الوطني حاول إضفاء مزيدا من المرونة على عقد الشغل وذلك بمزيد الاهتمام بعقود الشغل الوقتية، فالمتفحص في أحكام الفصل 6-4 من م.ش، يلاحظ أنه أجاز للمؤجر اللجوء إلى عقود العمل الوقتية للقيام بأشغال وقتية أو أعمال موسمية تفرضها طبيعة العمل وخول له 

بموجب الفقرة الثانية منه إمكانية التعاقد لمدة محدد في غير هذه الحالات شريطة أن لا تتجاوز مدة العقد أربع سنوات بما ذلك تجديداته، ويفهم من ذلك أن عقود الشغل الوقتية هي تلك العقود المحددة بعمل تنتهي بانجازه أو بأجل معين. ويقع اللجوء عادة إلى هذه العقود كلما كانت الأعمال والأنشطة

غیر قارة بصرف النظر عن التسمية عرضي أو موسمي وقتي أو ظرفي. وتتميز عقود الشغل الوقتية عن عقود العمل القارة في كونها عقود ظرفية تنتهي بانتهاء العمل أو الأجل موضوع التعاقد، فبمجرد انتهائها يصبح كل طرف في حلّ من كل الالتزامات تجاه الآخر، فلا يمكن لأحد 
المتعاقدين مطالبة معاقده بمواصلة العمل أو مطالبته بغرم الضرر الذي لحقه جرّاء إنهاء العقد وذلك 

خلافا لعقد الشغل غير معين المدة الذي يتعين فيه على الطرف المبادر بإنهائه إشعار مسبقا الطرف الآخر في الأجل الذي حدده قانون الشغل بمفهومه الواسع وتبرير سبب الإنهاء. 

لم يُول المشرع أهمية كبيرة لعقود الشغل الوقتية عند سنّه لأحكام مجلة الشغل( 1966) واكتفي بالتنصيص على إمكانية التعاقد لمدة معينة أو لمدة غير معينة وترك حرية شبه مطلقة للمؤجر في تحديد مدة العقود الوقتية دون أن يُقيّده بمدة معينة، فكان أصحاب المؤسسات يلجؤون أكثر لعقود 
الشغل محددة المدة وإلى مؤسسات العمل الوقتي وإلى التعاقد من الباطن عن طريق مؤسسات 
مناولة اليد العاملة الثانوية، فتمت مراجعة مجلة الشغل سنة 1996 وضبط حالات معينة للتعاقد الوقتي. 

لقد حاول المشرع من خلال التعديلات التي أدخلها على مجلة الشغل مراعاة مصلحة المؤسسة وتمكينها من المرونة اللازمة للتصرف في اليد العاملة حسب حاجة العمل وحاول إقرار ضمانات قانونية لفائدة الأجراء حتى لا يبقى هؤلاء عمال وقتين لفترات طويلة المبحث الأول)، غير أن هذه 
المحاولة التشريعية على أهميتها ظلت محدودة لاستمرارية اللجوء المفرط لعقود العمل الوقتية حتى في الأعمال القارة ( المبحث الثاني). 

 المبحث الأول: اللجوء لعقود الشغل: الموجود 

تتمثل الوظيفة الأساسية والتقليدية لعقود الشغل الوقتية في تمكين المؤجر من استخدام الأجير بصفة عرضية ووقتية في الأنشطة والأعمال غير القارة، لذلك حاول المشرع عند مراجعته لمجلة الشغل سنة 1996، تحديد وظيفة هذا الصنف من عقود الشغل وضبط حالات الركون إليها بموجب الفصل 6-4 من  م.ش (الفقرة الأولى) للحد من اللجوء المفرط إليها (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: حرية اللجوء لعقود الشغل الوقتية: حرية موجودة 

يحضى المؤجر بحرية واسعة في اختيار شكل العقد1 ، باعتبار أن المشرع أجاز له حرية اختيار العقد الذي يراه مناسبا، وترك له حرية واسعة في تحديد طبيعة العلاقة الشغلية التي تربطه بالأجير2. فبالرجوع إلى الفصل 6 من مجلة الشغل، يلاحظ أنه عرف عقد الشغل على أنه "إتفاقية يلتزم بمقتضاها أحد الطرفين يسمّى عاملا أو أجيرا بتقديم خدماته للطرف الآخر ويسمّى مؤجرا وذلك تحت إدارة ومراقبة هذا الأخير وبمقابل أجر "3. وبالرغم من كونه اتفاق بين الأجير والمؤجر ، فإن تحديد شكل العقد حسب طبيعة العمل وبما يتناسب مع الحاجيات الضرورية للمؤسسة من مشمولات المؤجر وحده الذي يختار العقد الأقل تكلفة للمؤسسة سواء على مستوى الإنتداب أو على مستوى الإنهاء4

يهدف تنقيح مجلة الشغل أساسا إلى تمكين المؤسسات من التصرف في الموارد البشرية وكذلك إلى حماية العمال من الإستخدام الدائم بمقتضى عقود لمدة معينة وبأجور أقل من العمال القارين5، باعتبار أنه قبل تعديل 1996 كان أصحاب العمل يستخدمون الأجراء لفترات طويلة بعقود شغل محددة المدة. فتدخل المشرع للموازنة بين مصلحة المؤسسة ومصلحة الأجير وتحديد المدة القصوى للعقود معينة المدة ب 4 سنوات دون المس من حرية المؤجر في إختيار شكل العقد6. فالمتفحص في الصياغة التي أوردها المشرع صلب الفصل - من مجلة الشغل، يلاحظ أنه لم يميّز بين العقدين ويبرز ذلك جليا من خلال تنصيصه على أنه "يبرم عقد الشغل لمدة غير معينة أو لمدة معينة. ويفسر ذلك برغبته في مساعدة المؤسسة على مواجهة تحديات عولمة الاقتصاد من خلال إقرار مرونة على مستوى اختيار العقد المناسب لنشاطها وعدم إثقال كاهلها 7

بالرجوع لأحكام مجلة الشغل المنظمة لعقد الشغل يلاحظ أن المشرع اكتفى بتعريف عقد الشغل دون أن يقدم تعريفا للعقد معين المدة. وهذا ما أفضى إلى تدخل الفقه قصد تعريفه وتمييزه عن عقد الشغل غير معين المدة، فوقع تعريفه على أنه ذلك "العقد المبرم لفترة زمنية محددة بداية ونهاية أو ذلك العقد المتضمن على إنهاء العلاقة الشغلية بإنجاز الأعمال موضوع التعاقد"8، أي أنه "ينبني على أجل ثابت يكون تاريخ نهايته محددا منذ إبرامه أو يكون قائما على أجل غير ثابت ولكنه يخضع لحصول أمر مستقبل محقق الوقوع 9 وأجل إنقضاءه معلوم 10. وعليه يفهم أن عقد الشغل محدد المدة يرتبط أجله بواقعة مستقبلية دون أن تكون لإرادة الأطراف أي دخل فيها 11

ويحيل هذا التعريف على النحو الذي سلف بيانه إلى ضرورة إبداء ملاحظتين، الأولى تتمثل في الإقرار بأنه لا يمكن إنهاء عقد الشغل معين المدة قبل التاريخ المتفق عليه من قبل طرفي العلاقة الشغلية أو قبل إنجاز الأعمال موضوع التعاقد إلا بالإتفاق أو بموت الأجير 12 والثانية هو أن عقود الشغل الوقتية شأنها شأن العقود غير محددة المدة من حيث وضع الأجير في تبعية قانونية وإقتصادية لمؤجره 13. ويتميز عقد الشغل معين المدة في أجله المضبوط بداية ونهاية أو محددا بواقعة مستقبلية محتملة سواء بنهاية العمل المراد القيام به أو نهاية المدة الزمنية لتعويض أجير مرسم فبالرجوع لمجلة الشغل وتحديد بالفصل 6-4 من م. ش، يلاحظ أن المشرع حدّد الحالات المبررة للتعاقد لمدة معينة بحكم الطبيعة الظرفية للعمل، وهي حالات ذات إعتبارات موضوعية لا تندرج ضمن النشاط العادي للمؤسسة بما يجعل اللجوء فيها إلى عمال وقتيين اعتبارا لتلك المهام التي لها صبغة وقتية أو أن إختصاص المؤسسة التقني لا يتماشى مع مؤهلات عمالها القارين، فقد اقتضت أحكام هذا الفصل أنه يمكن إبرام عقد الشغل لمدة معينة في الحالات التالية: 

- القيام بالأشغال الأولى لتركيب المؤسسة أو بأشغال جديدة 

- القيام بالأعمال التي تستوجبها زيادة غير عادية في حجم العمل 

- التعويض الوقتي لعامل قار متغيب أو توقف تنفيذ عقد شغله 

القيام بأشغال متأكدة لتفادي حوادث محققة أو لتنظيم عمليات إنقاذ أو لتصليح خلل بمعدات أو تجهيزات أو بناءات المؤسسة. 

2- كما يمكن إبرام عقد الشغل لمدة معينة في الحالات غير المذكورة في الفقرة السابقة بالإتفاق بين المؤجر والعامل على أن لا يتجاوز مدة هذا العقد أربع سنوات بما في ذلك تجديداته. وكل انتداب للعامل المعني بعد انقضاء هذه المدة يقع على اساس الاستخدام القار ودون الخضوع لقترة تجربة. وفي هذه الحالة يبرم العقد كتابيا في نظيرين يحتفظ المؤجر بأحدهما وسلم الآخر إلى العامل. 

3- يتقاضى العملة المنتدبون بمقتضى عقود شغل لمدة معينة أجورا أساسية ومنحا لا تقل عن الأجور الأساسية والمنح المسندة بمقتضى نصوص ترتيبية أو اتفاقيات مشتركة للعملة القارين الذين لهم نفس الاختصاص المهني". 

وقد سنحت الفرصة لمحكمة التعقيب لإبداء موقفها من العقد معين المدة وتمييزه عن العقود القارة التي تشمل الأعمال القارة وعقود الشغل محددة المدة التي تطال الأعمال العرضية وغير القارة، حيث إعتبرت " أن التعاقد لمدة محددة يغلب عليه طابع التأكد والسرعة وتكتسي فيه العلاقة الشغلية صبغة ظرفية بإعتبار أن إنتداب العامل يتم لمجابهة ظرف خاص تمر به المؤسسة ولا يمكن أن يستمر هذا الظرف طويلا "14

ترك المشرع للمؤجر حرية إختيار صنف عقد الشغل حسب مقتضيات سير العمل وتمكين المؤسسة من المرونة اللازمة والمناسبة لطبيعة نشاطها الذي يفترض عقود شغل محددة المدة كما هو الشأن بالنسبة للمناطق الإقتصادية الحرة التي يكون فيها التعاقد لمدة معينة فقط مهما كان شكلها أو مدتها أو صيغة تنفيذها 15. فقد وضع المشرع لصالح المؤجر قرينة تبدو قاطعة مفادها أن كل الأجراء التابعين للمؤسسات في فضاءات الأنشطة الإقتصادية الحرة يعتبرون أجراء وقتيون بحكم القانون ولو قضوا مدة طويلة 16، وهي قرينة قانونية استبعدت دور الإرادة الذاتية في إنشاء التصرفات القانونية، فتكون بذلك إرادة الأجير منعدمة تماما وتكون حريته في الاختيار مقتصرة على قبول العمل في هذه المناطق الاقتصادية الحرة بعقد معين المدة أو رفض ذلك. 

إن القراءة المتمعنة للأحكام المنظمة لعقد الشغل بصفة عامة وللفصل 6-4 من م.ش بصفة خاصة المتعلقة أحكامه بضبط حالات الركون لعقد الشغل محدد المدة وللآجال القصوى للتعاقد لمدة معينة، تؤدي إلى الوقوف عند الحرية شبه المطلقة التي يحضى بها المؤجر بخصوص اختيار شكل العقد باعتبار أن الحالات التي أوردها المشرع وإن كانت ذات أهمية في تقييد سلطة المؤجر بخصوص الركون لعقود الشغل الوقتية، فإن هذا التقييد التشريعي بقي محدودا لغياب حصر دقيق لهذه الحالات. 

الفقرة الثانية: حرية اللجوء للعقود الوقتية: حرية مقيّدة 

لقد حدد المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 6-4 من م. ش. الحالات المبررة للتعاقد لمدة معينة بحكم الطبيعة الظرفية للعمل، وهي حالات ذات إعتبارات موضوعية لا تندرج ضمن النشاط العادي للمؤسسة بما يجعل اللجوء فيها إلى عمال وقتيين اعتبارا لتلك المهام التي لها صبغة وقتية أو أن إختصاص المؤسسة التقني لا يتماشى مع مؤهلات عمالها القارين. 

تتعلق الحالة الأولى الواردة بهذا الفصل بالقيام بالأشغال الأولى لتركيز المؤسسة أو بأشغال جديدة"، تشمل هذه الحالة الأعمال التي يتم إنجازها قبل الإنطلاق الفعلي لنشاط المؤسسة مثل تركيب الآلات والمعدات... 17 وهي أعمال ظرفية ومؤقتة تخرج عن النشاط العادي للمؤسسة. 
وتتعلق الحالة الثانية بالقيام بالأعمال التي تستوجبها زيادة غير عادية في حجم العمل"، يقع اللجوء إلى التعاقد لمدة معينة في هذه الصورة كلما وجدت زيادة غير عادية في حجم نشاط المؤسسة، حيث يمكن 

للمؤجر التعاقد لمدة معينة في حالة وجود كثافة مؤقتة للعمل العادي يستوجب إنجازها إبرام عقود محددة المدة إلا أنه لا توجد قائمة تتضمن تحديدا دقيقا لحالات الزيادة غير العادية في حجم العمل 18. وقد تطرح  هذه الحالة إشكالا عمليا وقانونيا بشأن تقدير حجم العمل العادي الذي على أساسه تقاس الزيادة، بإعتبار أن مجلة الشغل والقانون المكمل لها لم يحدّدا سقفا زمنيا لهذه الزيادة غير العادية في حجم العمل ومتى تتحول من المستوى العادي إلى المستوى غير العادي في غياب المعايير ذات الصلة19. وما ينطبق على هذه الحالة من حرية وإطلاق في الصياغة ينطبق على الحالة المتعلقة بربط مدة العقد "بالأعمال الموسمية أو بأنشطة أخرى لا يمكن حسب العرف أو بحكم طبيعتها اللجوء فيها إلى عقد غير معين المدة"، فالأعمال الموسمية تقتضي بحكم طبيعتها الظرفية والموسمية، أجراء عرضين يقومون بتلك الأنشطة. 

ولا يعتبر شرط الكتابة شرطا وجوبيا باعتبار أن الطبيعة الظرفية للعمل الموسمي تقتضي عمال وقتيين، وهو أمر أكدته محكمة التعقيب في أحد قراراتها لما أقرت أنه يمكن إبرام عقد الشغل لمدة معينة في حالة القيام بأعمال موسمية طبقا للفصل 6-4-1- من مجلة الشغل دون حاجة إلى تحرير كتب على أن تثبت الطبيعة الموسمية للأعمال موضوع العقد أو الطبيعة الموسمية لنشاط المؤسسة"20. وهذه الصياغة جاءت مطلقة وواسعة بالرغم من أن المنشور عدد 13 الصادر عن وزارة الشؤون الإجتماعية في 10 جويلية 1993 أراد تحديد العمل الموسمي من خلال تعريفه على أنه "العمل الذي يتكرر كل سنة خلال فترة زمنية تكاد تكون ثابتة حسب تواتر المواسم ووفقا للعرف". 

يتميز العمل الموسمي بدوريته التي تكون عادة خاضعة لعوامل موضوعية تخرج عن إرادة صاحب العمل ،21، فقد أكدت محكمة التعقيب على ضرورة التثبت من طبيعة النشاط الموسمي للكشف عن طبيعة العلاقة الشغلية الرابطة بين الطرفين للتوقي من التحايل على القانون بإدراج كل الأنشطة في خانة الأنشطة الموسمية من قبل المؤجرين 22 ، بإعتبار أن الأعمال التي تقوم عادة على الصبغة الأنشطة  الموسمية هي الأعمال الفلاحية و هي الأعمال بالنزل السياحية وهي أعمال يمكن أن تتضمن مواطن شغل قارة. 

كما تضمنت الحالة الخامسة الأنشطة غير موسمية ولا يمكن بحكم طبيعتها أو حسب العرف اللجوء فيها إلى العقود غير معينة المدة، وتتعلق هذه الصورة أساسا حسب المنشور سابق الذكر بالأنشطة المرتبطة بقطاع البناء والأشغال العامة والعروض الفنية سواء في المسرح أو السينما أو غير ذلك، غير أن هذه الأخرى يمكن أن يكون العمل فيها قارا خاصة تلك المتعلقة بحضائر البناء والأشغال العامة. 

وهو الفهم الذي أيدته محكمة التعقيب في قرارها المؤرخ في 3 ديسمبر 2019، لما أقرت أنه "يؤخذ الفصل 55 جديد من الاتفاقية المشتركة للبناء والأشغال أن المشرع قد أسس لقرينة بسيطة أن العامل بحضائر البناء يعد عاملا وقتيا بشرطين أساسين، فالشرط الأول يتعلق بضرورة إعلام العامل كتابيا من طرف مؤجره وفي أجل أسبوع من تاريخ انتدابه بصفته الوقتية تلك. أما الشرط الثاني أن لا يتجاوز مدة عمله بتلك الحضيرة أو بحضائر مماثلة لها مدة الأربع سنوات متتالية تحت انقلاب_وضعيته الوقتية إلى وضعية العامل القار. وحيث بالرجوع إلى مظروفات الملف يتضح أن المعقب لم يتم إعلامه كتابة من طرف المعقب ضدها بصفته كعامل مؤقت عند انتدابه ثم أكثر من ذلك ثبت أنه استمر في عمله لمدة تزيد عن الأربع سنوات بما يعني أنه أصبح عاملا قارا حتى وإن تم إعلامه بداية بصفته المؤقتة"23. ويفهم من ذلك أنه يتعين على المؤجر إعلام العامل كتابيا بصفته الوقتية في مثل هذه الأعمال ويجب أن لا تتجاوز العلاقة الشغلية 4 سنوات باعتبار أنه في صورة استمرار الأجير مع نفس المؤجر ولو في عدة حضائر لمدة تفوق الأربع سنوات يصبح قار ولا يمكن لصاحب العمل الاحتجاج بالطبيعية الظرفية لحضائر البناء والأشغال، واعتبار العامل المنتدب وقتيا 24 ، لأنه في صورة استمرار العلاقة الشغلية بصفة مسترسلة وتجاوزت مدة عمل العامل مع نفس المؤجر في عدة حضائر الأربع سنوات يتحول عقده إلى أجل غير معین المدة ويصبح قارا. 

يعتبر التكييف القضائي للأعمال الموسمية التي تتطلب التعاقد لمدة معينة والأعمال الأخرى التي تستوجب عقودا غير معينة المدة نظرا لطبيعتها الدائمة، تدخلا هاما باعتباره يساهم في حصر دقيق لهذه الأنشطة لتجنب التحايل على القانون من قبل أصحاب المؤسسات والحسم في الصعوبات لمعرفة الأنشطة التي تستوجب اللجوء إلى أجراء وقتيين للحفاظ على مواطن الشغل القارة. ويبقى اللجوء إلى العقود معينة المدة بصفة استثنائية وفي حالة وجود أشغال عرضية ووقتية تخرج عن نشاط المؤسسة العادي أو لتعويض عامل قار متغيب أو توقف تنفيذ عقد شغله، إذ يجوز انتداب أجير مؤقت لتسديد الشغور المتعلق بموطن شغل قار. كما يمكن لصاحب العمل انتداب عمال وقتيين للقيام بأشغال متأكدة لتفادي حوادث محققة لتنظيم عمليات إنقاذ أو لتصليح خلل بمعدات أو تجهيزات أو بناءات المؤسسة"، وهذه الحالة لا يمكن التوسع فيها بحكم صبغتها الطارئة والظرفية كما نص على ذلك المنشور عدد 13 لسنة 1997، حيث تتم هذه الأشغال إثر نشوب حريق أو تسرب مياه داخل المؤسسة بما يستوجب التدخل العاجل والمتأكد والقيام بهذه الأشغال المتأكدة. 

يتبين بقراءة نص الفصل 6-4 سابق الذكر أن المشرع ترك مرونة واسعة للمؤجر في اللجوء لعقود الشغل الوقتية، باعتبار أن صياغة هذا الفصل لم تكن بالدقة المطلوبة خاصة فيما يتعلق بالحالات القابلة للتأويل والتوسع فيها التي سبق ذكرها، فالمتمعن في التشريعات المقارنة كالقانون الفرنسي والقانون الجزائري والمغربي25 ، يلاحظ أنها حددت بصفة دقيقة حالات التعاقد لمدة معينة حتى لا يتحول الإستثناء إلى مبدأ، بإعتبار أن هذه التشريعات ذهبت في إعتماد اللجوء إلى العقود معينة المدة بصفة إستثنائية مر لمصلحة المؤسسة. فقد ذهب التشريع الجزائري في إتجاه التضييق وحصر الأنشطة القابلة للتعاقد لمدة معينة بدقة وأوكل لمفتش العمل صلاحية التثبت والتحقق من أن الطبيعة العرضية أو الظرفية للعمل هي التي دفعت المؤجر للجوء إلى العقود الوقتية وهي صلاحية يفتقدها متفقد الشغل في تونس، حيث اقتضت المادة 12 مكرر من القانون رقم 11 لسنة 1990 المتعلق بعلاقات العمل وتعديلاته أنه "... يتأكد مفتش العمل من أن عقد العمل لمدة محدودة أبرم من أجل إحدى الحالات المنصوص عليها..."، وتبعا لذلك فإنه لا يمكن التوسع في هذه الحالات من خلال وضع رقابة إدارية على التعاقد لمدة معينة من خلال منح متفقدي الشغل مهمة الرقابة للتأكد من وجود علاقة سببية بين العقود معينة المدة التي أبرمها المؤجر والحالات التي يسمح فيها بالتعاقد لمدة محددة. 

وهكذا يتضح أن التنظيم القانوني لعقود الشغل الوقتية في مجلة الشغل وإن كان يتسم بالمرونة اللازمة التي طالب بها أصحاب المؤسسات تجلت في العديد من المواضيع والمسائل القانونية في هذه المجلة، فإنه يُثير إشكالات نظرية وتطبيقية تستدعي المراجعة والتعديل باعتباره لم يوفر الحماية اللازمة للعامل الوقتي. 

المبحث الثاني: اللجوء لعقود الشغل الوقتية: المنشود 

لئن أجاز المشرع بالفصل 6-4 من م.ش إمكانية التعاقد لمدة معينة مراعاة لمصلحة المؤسسة وتمكينها من المرونة اللازمة للتصرف في اليد العاملة حسب حاجة العمل، فإنه لم يوفق في صياغة هذا الفصل (الفقرة الأولى) وكذلك في صياغة الأحكام المنظمة لعقد الشغل لوقت جزئي (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى : ضرورة مراجعة الأحكام المنظمة لعقد الشغل محدد المدة (الفصل 4-6 من م.ش). 

لقد حاول المشرع تكريس مفهوم "المرونة "الآمنة في العلاقات المهنية وإقرار هامشا من الحرية للمؤجر لاختيار العقد المناسب لطبيعة العمل دون أن يترك له الحرية المطلقة في اللجوء للعقود الوقتية، باعتبار أنه أجاز التعاقد الوقتي في الأنشطة الموسمية والأشغال الوقتية المحددة بالفقرة الأولى من الفصل 6-4 من م.ش. وهي أنشطة لا تتطلب بحكم طبيعتها التعاقد لمدة غير معينة. لكن الصياغة القانونية التي أوردها المشرع في هذه الفقرة المتعقلة بحالات اللجوء لعقد الشغل محددة المدة، يمكن الإقرار بأنها جاءت مطلقة وغامضة في بعض الأحيان مما قد ينجر عنه إمكانية التوسع فيها من قبل المؤجرين والتحايل على القانون بالقانون( الفقرة الأولى من هذا الفصل 6-4 من م.ش). لذلك لابد من مراجعة هذه الأحكام وتحديد حالات اللجوء إلى هذا الصنف من العقود بشكل واضح ودقيق. 

كذلك الشأن بالنسبة للفقرة الثانية من الفصل 6-4 من هذه المجلة، يلاحظ أن المشرع أجاز إمكانية التعاقد لمدة 4 سنوات كحد أقصى للتعاقد لمدة معينة، وهو ما يجعل الأجير في موضع هشاشة وعدم استقرار خلال هذه المدة. فالمتفحص في أحكام القانون الفرنسي ، يلاحظ أنه حدّد بالفصل 2-1- 122 من مجلة الشغل الفرنسية مدة أقل بكثير مما نص عليه التشريع الوطني بخصوص عقد الشغل محدد المدة، ذلك أن المدة القصوى لهذا الصنف من العقود في التشريع الفرنسي لا تتجاوز 24 شهر حيث نص هذا الفصل على أن مدة العقد معين المدة " تتراوح بين تسعة أشهر وثمانية عشر شهرا على أن لا تتجاوز مدة هذه العقود في كل الحالات أربعة وعشرين شهرا 26

ولئن إن كانت مدة عقد الشغل محددة المدة طويلة نسبيا مقارنة بالتشريع الفرنسي، فإن ذلك لا يمنع من كونه يمثل تقنية هامة، باعتباره يمكن صاحب العمل من التصرف العقلاني في الموارد البشرية حسب مقتضيات العمل ويخول له الضغط على نفقات الإنتاج ويُتيح للعامل العرضي فرصة إثبات قدراته المهنية باعتبار أن مدة أربعة سنوات تعتبر مدة طويلة تخول لصاحب العمل الوقوف عن قدرات الأجير وتقييمه واتخاذ القرار المناسب في شأنه سواء بالترسيم وتثبيته في عمله أو إنهاء العلاقة التعاقدية. لذلك يعتبر عقد الشغل محدد المدة نقطة البداية لتأسيس علاقة مهنية قارة، بل أن التعاقد الظرفي يمثل لمحة من الملامح التي رسمها قانون الشغل لنفسه منذ تعديلات 1994 و 1996 التي تقوم أساسا على إرساء "التلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي 27.

ولتحقيق التلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، أقر المشرع الوطني بموجب الفقرة الثانية من الفصل 6-4 من م.ش إمكانية التعاقد لمدة معينة ووضع سقفا زمنيا ب 4 سنوات كحد أقصى للتعاقد لمدة محددة لتحول العقد بعد انقضاء تلك المدة إلى عقد ذي أجل غير معلوم ويكتسب العامل صفة القار، فالمتمعن في أحكام هذه الفقرة، يلاحظ أن المشرع اعتبر أن "كل إنتداب للعامل المعني بعد إنقضاء هذه المدة يقع على أساس الإستخدام القار ودون الخضوع لفترة تجربة، وفي هذه الحالة يبرم العقد كتابيا في نظريين يحتفظ المؤجر بإحداهما ويسلم الأخر إلى العامل". 

يعد هذا التسقيف لمدة العقد ضمانة هامة لتمتين رابطة انتماء الأجير للمؤسسة وتثبيته في العمل، بإعتبار أن مدة الأربع سنوات تعد مبدئيا فترة مطولة نسبيا قد تعطي نوعا من الإستقرار، لكن كما سبقت الاشارة أن هذه الفترة تُبقي عليه في وضعية هشة وغير مستقرة لمدة أربع سنوات. ولا يمكن للمؤجر إبرام عقود شغل وقتية بعد انقضاء مدة الأربع سنوات لتحول العقد من محددة المدة إلى عقد ذي أجل غير معلوم على معنى الفصل 6-4 من .م.ش. وهو ما اهتدت إليه محكمة التعقيب في أكثر من مناسبة، حيث اعتبرت في قرارها المؤرخ في 8 ديسمبر 2014 أنه طالما ثبتت العلاقة الشغلية بين الطرفين لمدة تجاوزت أربع سنوات، فإنه لا تأثير لعقود الشغل المحددة المدة التي أبرمتها المعقبة مع المؤجرة مادامت قد إكتسبت صفة العامل القار بمفعول القانون وذلك إستنادا لمقتضيات الفصل 6 رابعا في فقرته الثانية من مجلة الشغل "28. وفي قرار آخر لها أقرت أن "تجاوز العلاقة الشغلية المحددة بين الطرفين أربع سنوات بما في ذلك تجديداتها يعتبر على أساس الإستخدام القار طبق للفصل 6-4 من مجلة الشغل "29

بالرجوع إلى الفقرة الثانية من الفصل 6-4 التي تنص على أنه "يمكن إبرام عقد الشغل لمدة معينة في غير الحالات المذكورة في الفقرة السابقة بالإتفاق بين المؤجر والعامل على أن لا تتجاوز مدة هذا العقد أربع سنوات بما في ذلك تجديداته"، يلاحظ أن المشرع لم يعطي تفسيرا واضحا لمفهوم تجديداته وهو ما يدعو للتساؤل عن المقصد التشريعي من ذلك، فهل يقصد بالتجديد هو أن تكون عقود الشغل متعاقبة ليمكن احتسابها في فترة الأربع سنوات أم أنه يمكن تطبيق أجل الأربع سنوات على العقود المنفصلة؟ وهل يمكن للمؤجر التمسك بإنفصال العقود عن بعضها البعض للدفع بعدم جمع مددها لإحتساب الأربع سنوات ؟ وهل أجاز المشرع إمكانية الجمع بين العقود المنفصلة وإن كان كذلك ما هي الشروط القانونية التي يجب توفرها للجمع بين هذه العقود المستقلة عن بعضها ؟ 

إنه من باب التسرع أن ننزلق في تقديم إجابة مباشرة دون الرجوع للنصوص القانونية خاصة المنشور عدد 13 لسنة 1997 الذي اقتضى أن مدة الأربع سنوات التي يتم بعد إنقضائها إنتداب العامل الوقتي على أساس الإستخدام القار يقع إحتسابها سواء كانت بصفة متواصلة سواء كانت بمقتضى عقد واحد لمدة أربع سنوات أو بمقتضى عقد وقع تجديده لفترة أو لفترات متتالية بحيث تكون المدة الجملية أربع سنوات". وهو توضیح غير كافي باعتبار أن هذا المنشور اشترط شرط التواصل والاستمرارية دون انقطاع لمدة أربع سنوات لتثبيت الأجير وهو شرط سهل الالتفاف عليه، باعتبار أنه يمكن للمؤجر أن يخضع العامل المنتدب بعقد شغل محدد المدة إلى فترة إنقطاع أو توقف عن العمل قبل تجديد العقد ليبقى العامل وقتيا إلى ما نهاية له بحيث يستحيل عليه أن يجمع مدة أربع سنوات متواصلة مهما طالت المدة الفعلية التي قضاها العامل عند نفس المؤجر 30 . لذلك تدارك المنشور عدد 13 هذا الأمر من خلال التنصيص على أنه "إذا كانت العقود المبرمة مع وجود إنقطاع أو أكثر فيما بينها، يرجع للمحاكم تقدير إن كان هذا الإنقطاع تبرره حاجة العمل أو كان الهدف منه فقط تجنب إنتداب العامل بصفة قارة بعد إنقضاء مدة الأربع سنوات". وعليه يتمتع قاضي الشغل دون سواه بصلاحية التقدير والبحث عن المبررات الحقيقة للإستعمال المفرط لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة و المتقطعة 31 ، فإذا ما تبين له أن ذلك اللجوء المفرط لهذه العقود هو تجنب ترسيم العامل وحرمانه من صفة القار يمكنه الجمع بين العقود شريطة أن لا تتجاوز مدة الانقطاع السنة ولا يمكن الجمع بين عقود تفصل بينها مدة تساوي أو تتجاوز السنة عملا بالفصلين 147 و 148 من م.ش. وذلك لسقوط حق الأجراء في المطالبة بإحتساب حق ضم الأقدمية المقاضاة إلى العقود اللاحقة. ولا يجوز كذلك الجمع بين العقود إذا ثبت أنها لم تحصل تحت ضغط معنوي أو مادي. كما لا يجوز الجمع بين العقود التي إنتهت بالقطع التأديبي وذلك سواء كان هذا القطع التأديبي بتعويض أو بدونه. 

عموما هذا الغموض الذي يشوب الفصل 6-4 من م.ش وما يحمله من لبس قد يخول للمؤجرين إنهاء عقود الشغل الوقتية وقطعها بصورة متواترة لحرمان العامل الوقتي من اكتساب صفة القار، لذلك لابد من إعادة صياغة هذا الفصل وضبط بكل دقة الأنشطة الموجبة للتعاقد الوقتي والإستنئناس بالقانون الجزائري فيما ما يتعلق بمراقبة المؤجر ومنح متفقد الشغل مهمة التثبت والتأكد من وجاهة اختيار المؤجر لعقد الشغل محدد المدة، فضلا عن ضرورة إقرار بصفة صريحة التعاقد لمدة محددة كإستثناء لمبدأ التعاقد لمدة غير محددة. كما يتعين مراجعة الأحكام المنظمة لعقد العمل لوقت جزئي لما تحمله الصياغة الحالية للأحكام المنظمة له من نقائص وشوائب. 

الفقرة الثانية: ضرورة مراجعة الأحكام المتعلقة بعقد الشغل لوقت جزئي 

يعتبر التعاقد لوقت جزئي إحدى الأنماط الجديدة التي كرسها المشرع عند مراجعته لمجلة الشغل لمساعدة المؤسسة في التصرف في اليد العاملة حسب مقتضيات العمل دون أن يضبط حالات معينة يمكن فيها الركون لهذا الصنف من العقود فالمتفحص في الأحكام المنظمة للعقد لوقت جزئي، يلاحظ أنه وقع التنصيص عليه لأول مرة بموجب القانون عدد 62 لسنة 1996 المؤرخ في 15 جويلية 1996، حيث أجاز المشرع بموجب الفصل 93-92 من م.ش إمكانية التعاقد لوقت جزئي لمدة معينة أو غير معينة واشترط أن يكون هذا العقد كتابيا ويتضمن الصفة المهنية للعامل وعناصر التأجير ومدة العمل وطريقة توزيعها على الأسبوع أو الشهر أو السنة 32

يمثل عقد الشغل لوقت جزئي تقنية هامة بالنسبة لبعض المؤسسات وخاصة تلك التي تمر بصعوبات اقتصادية، حيث يمكنها اللجوء إلى التعاقد لوقت جزئي مع أجرائها المرتبطين بعقود شغل لوقت كامل كحل بديل للطرد الأسباب اقتصادية إلى حين التعافي وهي مسألة لم يطرحها المشرع عند سنّه للفصل 21- 9 المتعلق بمقترحات لجنة مراقبة الطرد في ملف الطرد أو الإيقاف عن العمل، بالرغم من كونه يمثل إحدى الحلول القانونية التي تراعي مصلحة المؤسسة ومصلحة الأجراء باعتباره يجنب العملة المعنين بالتسريح الطرد أو الايقاف المؤقت عن العمل ويوفر للمؤسسة المرونة اللازمة في التصرف في توقيت العمل ويضمن لها الحفاظ على مواردها البشرية. 

إن المتمعن في الأحكام المنظمة لعقد الشغل لوقت جزئي، يلاحظ أن المشرع اعتمد لمعيار مدة العمل في تمييزه لهذا العقد عن بقية عقود الشغل الأخرى، دون أن يحدد الأصناف المهنية التي ينتمي إليها الأجير أو القطاع أو طبيعة النشاط وهو معيار مرتبط بنظامي العمل المعمول به في التشريع الوطني. فقد أولى المشرع الاهتمام لمدة العمل كعنصر مميز للتعاقد لوقت جزئي عن التعاقد لكامل الوقت من خلال ضبط الحد الأقصى لمدة العمل، فلا يمكن تتجاوز 70% من توقيت العمل العادي المنطبق على المؤسسة وكل عمل يتجاوز هذه الفترة لا يعتبر عمل لوقت جزئي وإنما يعد عمل لوقت كامل. 
بید أنه رغم أهمية الضوابط الشكلية التي وضعها المشرع بخصوص إبرام هذا العقد، إلا أن مثل تلك الأهمية لا يمكن أن تحجب خصوصية هذا العقد ووظيفته، فالتنصيص التشريعي على إمكانية إبرام عقد العمل لوقت جزئي لمدة معينة أو لمدة غير معينة يبلور إرادة المشرع في مساعدة المؤسسة على مواجهة التقلبات أو الأزمات الاقتصادية ويتأكد ذلك من خلال عدم ضبطه للحالات التي يمكن فيها اللجوء إلى هذه العقود تاركا بذلك الحرية الكاملة للمؤجر في اختيار شكل العقد وضبط مدته
33. فالمتفحص في الأحكام المنظمة لهذا العقد، يلاحظ أن المشرع لم يضع حالات معينة للتعاقد لوقت جزئي واكتفى بالتنصيص على ضرورة إعلام المؤجر تفقدية الشغل في صورة تشغيل عملة قارين أو غير قارين لوقت كامل أو لوقت جزئي 34. وتكمن أهمية التنصيص على وجوبية إعلام تفقدية الشغل في دفع المؤجرين إلى التقيد بهذا الإجراء الوجوبي حتى لا يتحول اللجوء إلى العقود لوقت جزئي مشطا وغير مبرر، فالأصل في اللجوء إلى العمل لوقت جزئي هي حاجة المؤسسة الملحة إلى يد عاملة لإنجاز بعض الخدمات خلال جزء فقط من مدة العمل العادية 35

وبالرغم أهمية هذا العقد لما يوفره من مرونة التصرف في توقيت العمل وتحديد مدة العقد حسب مقتضيات العمل ومساعدة بعض العملة من ذوي المسؤوليات العائلية من تجاوز الصعوبات التي من شأنها أن تحد من فرص مشاركتهم في العمل، فإنه كان من الأسلم، ضبط الحد الأدنى لساعات العمل اليومية في عقود الشغل لوقت جزئي لضمان الحد الأدنى من التغطية الاجتماعية للعاملين لوقت جزئي، باعتبار أن العديد من الأجراء المرتبطين بهذه العقود لا يتمتعون بجراية الشيخوخة عند إحالتهم على التقاعد لضعف المساهمات التي يقوم المؤجر بدفعها. لذلك يتعين على المشرع التدخل وإيجاد صياغة تضمن للعامل لوقت جزئي جراية عند إحالته على التقاعد ووضع حد أدنى من ساعات العمل اليومية في نظام العمل لوقت جزئي أو الترفيع في قيمة المساهمات من جانب المؤجر في هذا النمط من العقود بما يضمن للعامل جراية التقاعد. 

هذا وتجدر الإشارة إلى أن المشرع أجاز صلب الفصل 94- من م. لطرفي العقد الاتفاق على تغيير نظام العمل من نظام العمل كامل الوقت إلى نظام العمل لوقت جزئي أو العكس واشترط أن يكون هذا الإتفاق كتابيا باعتبار أن الموافقة الشفاهية لا تخول للمؤجر أو العامل حسب الحالة في صورة وقوع نزاع بينهما التمسك به أمام القضاء. وهو ما يتعين على المؤجر عند موافقة العامل أو طلبه الانتقال من نظام الوقت الكامل لنظام الوقت الجزئي أو العكس تحرير وكتب ذلك الاتفاق والأفضل أن يكون ذلك الكتب معرف بالإمضاء للإدلاء به لدى المحاكم عند التنازع، باعتبار أنه يمكن أن يتعرض العامل إلى الطرد التعسفي بعد الاتفاق كتابيا مع مؤجره على الانتقال من نظام العمل لوقت كامل إلى نظام الوقت جزئي أو العكس، ففي هذه الحالة يكون الكتب قرينة إثبات قوية وهامة للطرفين حسب الحالة خاصة فيما يتعلق بقيمة غرامات الطرد التعسفي. فقد حدد المشرع ضمن الفقرة الأخيرة للفصل 23 مكرر من م.ش طريقة احتساب غرامة الطرد التعسفي، حيث اقتضت أحكام هذا الفصل أنه يقع" ... تقدير غرامة الطرد التعسفي الأجر الذي يتقاضاه العامل عند إنهاء العقد مع مراعاة جميع الإمتيازات التي ليست لها صبغة ترجيع مصاريف". وعليه قد يقع احتساب للأجير الذي وقع طرده دون موجب قانوني وقضى فترة طويلة بالعمل لوقت كامل وفترة قصيرة لوقت جزئي غرامة الطرد التعسفي على أساس آخر أجرة تقاضاها عند فصله عن العمل والعكس بالعكس، قد يتعرض الأجير الذي انتقل من نظام الوقت الجزئي إلى نظام الوقت الكامل إلى الطرد التعسفي فيتم احتساب غرامة الطرد التعسفي على أساس آخر أجرة تقاضاها عند إنهاء العقد حتى وإن كان قد قضى مدة طويلة بنظام العمل الوقتي وفترة قصيرة بنظام العمل لكامل الوقت. وتبقى للقاضي كامل الصلاحيات في تقدير قيمة غرامة الطرد، حيث يمكنه الإلتزام بماورد بالفقرة الأخيرة من الفصل 23 سابق الذكر كما يمكنه الإجتهاد في احتساب هذه الغرامة على أساس النظامين وبناء على حيثيات القضية ووقائع الطرد وعناصر الإثبات المقدمة إليه. 

ختاما، يمكن أن نستنتج من كل ما تقدم بيانه أن المشرع كرّس مرونة شبه مطلقة في التعاقد واختيار شكل العقد لتمكين المؤسسة من مواجهة الصعوبات التي يمكن أن تطرأ على نشاطها ، لكن هذه المرونة شبه المطلقة تطرح بعض الإشكالات النظرية و التطبيقية خاصة في حصر الأنشطة المهنية التي تتطلب عقود شغل وقتية. لذا لابد أن يأخذ المشرع بزمام المبادرة ومراجعة أحكام مجلة الشغل ووضع نظام قانوني دقيق لعقود الشغل الوقتية وكذلك للتعاقد من الباطن بما يضمن للأجير الاستقرار في العمل وبما يوفر  للمؤسسة المرونة اللازمة لمواجهة التقلبات الاقتصادية. 
 

 

رضا العياري

متفقد شغل 

باحث في القانون الخاص


1- فدوى القهواجي: دروس في قانون الشغل، علاقات الشغل الفردية، مركز النشر الجامعي، تونس، 2021، ص 65 

2- Mekbel(S.): Le contrat de travail à durée déterminée en droit algérien, Faculté de droit et des sciences politiques, Département droit privé, Université Bejaia, 2018, p. 8. 

3- الفصل 6 من م.ش.

4- سناء السويسي : قانون الشغل و المؤسسة، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، جامعة تونس المنار، السنة الجامعية 2015-2016، ص 287

5- النوري مزيد : النظام القانوني لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة مجلة الدراسات القانونية الصادرة بكلية الحقوق بصفاقس عدد 10، سنة 2003، ص 12. 

6- الفصل 6-4-2 من م.ش

7- محمد صالح الشطي : الأنماط الجديدة للعمل تعريفها وخصائصها ومكانتها في سوق العمل، م.ق.ت.عدد 4، 2005،ص 60. 

8- عصام الأحمر: إشكاليات في نزاعات الشغل الحلول القانونية والإجتهادات القضائية، سيفاد للنشر ، 2007، ص .135 

9- زكية الصافي: " قانون الشغل، عقد الشغل"، مركز النشر الجامعي ،2014 ، طبعة ثانية محينة، ص 104. 

10 الشاذلي فارس: "الجديد في العلاقة الشغلية من خلال قانون 15 جويلية 1996"، ملتقى بالمعهد الأعلى للقضاء 1997، ص 27. 

11- Gouturier (G.): Les nouveaux contrats de travail à durée déterminée, Droit social n° 9-10 année, 1980, p. 401. 

12- Poulain (G.): Contrat de travail à durée déterminée, Fasc, 50 juris classeur, Année 1986, p. 2. 

13- CAMERLYNCK (G.A.): Droit du travail, Dalloz, Paris 1984, p. 75. 

14- قرار تعقيبي مدني عدد 33012 مؤرخ في 7 نوفمبر 2016 ، منشور على الموقع الالكتروني لمحكمة التعقيب www.cassation.tn. قرار تعقيبي مدني عدد 28817 مؤرخ في 21 ديسمبر 2015 ، ذكره عصام الأحمر: مجلة الشغل محينة ومثراة بفقه القضاء، 2017، ص 12.

15- الفصل 23 من قانون عدد 81 المؤرخ في 3 أوت 1992 المتعلق بإحداث المناطق الاقتصادية الحرة والمنقح بمقتضى القانون عدد 75 المؤرخ في 17 جويلية 2001. 

16- النوري مزيد : النظام القانوني لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة مجلة الدراسات القانونية الصادرة بكلية الحقوق بصفاقس عدد 10، سنة 2003. ص 15 

17- المنشور عدد 13 المؤرخ في 10 جويلية 1993 الصادر عن وزارة الشؤون الإجتماعية. 

18- النوري مزيد : مرجع سابق، ص 16.

19- حافظ العموري : "مدى مواكبة مجلة الشغل للتطور الإقتصادي والاجتماعي من خلال إبرام وإنهاء العلاقات الشغلية، أشغال الندوة الدولية، خمسينية مجلة الشغل، تونس يومي 27 و 28 أفريل 2016 ، ص 7. 

20- قرار تعقيبي مدني عدد 28635 مؤرخ في 28 ديسمبر 2015، ذكره عصام الأحمر، "مجلة الشغل محينة ومثراة بفقه القضاء"، الطبعة الأولى تونس 2017، ص 14 و 15. 

21- النوري مزيد : النظام القانوني لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة، مرجع سابق، ص 18. 

22- قرار تعقيبي مدني عدد 18751 مؤرخ في 29 ديسمبر 2014، منشور على الموقع الالكتروني لمحكمة التعقيب،www.cassation.tn 

23- قرار تعقيبي مدني عدد 71650 مؤرخ في 3 ديسمبر 2019 منشور على الموقع الالكتروني لمحكمة التعقيب،www.cassation.tn . 

24- النوري مزيد : النظام القانوني لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة، مرجع سابق، ص 19. 
قرار تعقيبي مدني عدد 3242 مؤرخ في 5 جويلية 1979 ن 1979 ج 2، ص 13 قرا تعقيبي مدني عدد 5934 مؤرخ في 14 فيفري ،1983، ن 1983 ج 1، ص 33. 

25- تنص الفقرة الثانية من الفصل 16 من مدونة الشغل المغربية على تنحصر حالات إبرام عقد الشغل محدد المدة فيمل يلي: 

- إحلال أجير محل أجير آخر في حالة توقف عقد شغل هذا الأخير ما لم يكن التوقف ناتجا عن الإضراب. 

- ازدياد نشاط المقاولة بكيفية مؤقتة. 

- إذا كان الشغل ذا طبيعة موسمية. 

- يمكن إبرام عقد الشغل محدد المدة في بعض القطاعات والحالات الإستثنائية تحدد بموجب نص تنظيمي بعد إستشارة المنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا أو بمقتضى إتفاقية شغل جماعية. 

26- L'Art. 122-1-2 du code de travail français prévoit que « La durée totale du contrat compte tenu, le cas échéant du renouvellement ne peut excéder dix-huit mois cette durée est ramenée à neuf mois,... >> 

27- النوري مزيد "القانون الاجتماعي بين الوظيفة الحمائية ونجاعة المؤسسة"، ملتقى الجمعية لمتفقدي الشغل تحت عنوان "من أجل تطوير نجاعة المؤسسة في مواجهة التحديات الراهنة" ، الحمامات 11/10 ديسمبر 2014، ص 6. 

28- قرار تعقيبي مدني عدد 18556 مؤرخ في 8 ديسمبر 2014 ، ذكره عصام الأحمر، مجلة الشغل محينة ومثراة، مرجع سابق، ص.16. 

29- قرار تعقيبي مدني عدد 15522 مؤرخ في 6 ماي 2002، ن.م.ت. 2002، ج 2، ص.457. 

30- طرشونة والنوري مزيد، مجلة الشغل معلق عليها ، منشورات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية 2002، ص.45.

31- النوري مزيد، "النظام القانوني لعقود الشغل المبرمة لمدة معينة ، مجلة الدراسات القانونية الصادرة بكلية الحقوق بصفاقس عدد10 لسنة 2003، ص.22. 

32- الفصل 94-3 من م.ش

33- Lyon-Caen (G.): Actualité du contrat du travail, Dr. soc, 1998, p.540. 

34 - الفصل 278 من م. ش. 

35- مريم اللوز : القاضي وإشكاليات إثبات وجود العلاقات الشغلية، إشكاليات في قانون الشغل، الجزء الأول، جمعية الحقوقيين بصفاقس، 17 نوفمبر 2016 ، ص77.