شهد العالم مع مطلع تسعينات القرن عشرين، تقلبات اقتصادية ساهمت في تغيير المشهد الاقتصادي خاصة بعد انضمام معظم الدول إلى المنظمة العالمية للتجارة وما انجر عنها من تحرر الاقتصاد والتوجه نحو فتح السوق الداخلية الذي أدى إلى اشتداد المنافسة سواء على المستوى الوطني أو الخارجي قصد الحصول على مكانة متميزة داخل السوق تسمح بكلية الحقوق والعلوم السياسية تونس المنار باستمرارية المؤسسة ، فتم إعادة صياغة بعض أحكام مجلة الشغل و تطويع قواعدها للاستجابة للمقتضيات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها عولمة الاقتصاد.
ولعل التنقيحات المتواترة على مجلة الشغل سنة 1994 و 1996، 2007 تندرج ضمن هذا الإطار، ذلك أن المشرع الوطني حاول إضفاء مزيدا من المرونة على عقد الشغل وذلك بمزيد الاهتمام بعقود الشغل الوقتية، فالمتفحص في أحكام الفصل 6-4 من م.ش، يلاحظ أنه أجاز للمؤجر اللجوء إلى عقود العمل الوقتية للقيام بأشغال وقتية أو أعمال موسمية تفرضها طبيعة العمل وخول له
بموجب الفقرة الثانية منه إمكانية التعاقد لمدة محدد في غير هذه الحالات شريطة أن لا تتجاوز مدة العقد أربع سنوات بما ذلك تجديداته، ويفهم من ذلك أن عقود الشغل الوقتية هي تلك العقود المحددة بعمل تنتهي بانجازه أو بأجل معين. ويقع اللجوء عادة إلى هذه العقود كلما كانت الأعمال والأنشطة
غیر قارة بصرف النظر عن التسمية عرضي أو موسمي وقتي أو ظرفي. وتتميز عقود الشغل الوقتية عن عقود العمل القارة في كونها عقود ظرفية تنتهي بانتهاء العمل أو الأجل موضوع التعاقد، فبمجرد انتهائها يصبح كل طرف في حلّ من كل الالتزامات تجاه الآخر، فلا يمكن لأحد
المتعاقدين مطالبة معاقده بمواصلة العمل أو مطالبته بغرم الضرر الذي لحقه جرّاء إنهاء العقد وذلك
خلافا لعقد الشغل غير معين المدة الذي يتعين فيه على الطرف المبادر بإنهائه إشعار مسبقا الطرف الآخر في الأجل الذي حدده قانون الشغل بمفهومه الواسع وتبرير سبب الإنهاء.
لم يُول المشرع أهمية كبيرة لعقود الشغل الوقتية عند سنّه لأحكام مجلة الشغل( 1966) واكتفي بالتنصيص على إمكانية التعاقد لمدة معينة أو لمدة غير معينة وترك حرية شبه مطلقة للمؤجر في تحديد مدة العقود الوقتية دون أن يُقيّده بمدة معينة، فكان أصحاب المؤسسات يلجؤون أكثر لعقود
الشغل محددة المدة وإلى مؤسسات العمل الوقتي وإلى التعاقد من الباطن عن طريق مؤسسات مناولة اليد العاملة الثانوية، فتمت مراجعة مجلة الشغل سنة 1996 وضبط حالات معينة للتعاقد الوقتي.
لقد حاول المشرع من خلال التعديلات التي أدخلها على مجلة الشغل مراعاة مصلحة المؤسسة وتمكينها من المرونة اللازمة للتصرف في اليد العاملة حسب حاجة العمل وحاول إقرار ضمانات قانونية لفائدة الأجراء حتى لا يبقى هؤلاء عمال وقتين لفترات طويلة المبحث الأول)، غير أن هذه
المحاولة التشريعية على أهميتها ظلت محدودة لاستمرارية اللجوء المفرط لعقود العمل الوقتية حتى في الأعمال القارة ( المبحث الثاني).
المبحث الأول: اللجوء لعقود الشغل: الموجود
تتمثل الوظيفة الأساسية والتقليدية لعقود الشغل الوقتية في تمكين المؤجر من استخدام الأجير بصفة عرضية ووقتية في الأنشطة والأعمال غير القارة، لذلك حاول المشرع عند مراجعته لمجلة الشغل سنة 1996، تحديد وظيفة هذا الصنف من عقود الشغل وضبط حالات الركون إليها بموجب الفصل 6-4 من م.ش (الفقرة الأولى) للحد من اللجوء المفرط إليها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حرية اللجوء لعقود الشغل الوقتية: حرية موجودة