تشكل الأراضي الإشتراكية معضلة كبرى من بين معضلات الوضع العقاري الذي تعيشه البلاد وهو وضع مريض وغير عادي ويعتبر أكبر عائق لتحقيق التنمية المنشودة. 

ذلك أنه وعلى خلاف بقية بلدان العالم فإن البلاد التونسية لا يوجد بها نظام عقاري موحد يكون المحرك الأساسي للتنمية ودفع العجلة الاقتصادية بل يوجد بها عدة أنظمة عقارية متشعبة ومتداخلة ولا تشجع على الاستثمار وتحقيق الرخاء الاقتصادي كنظام العقارات المسجلة ونظام العقارات الغير مسجلة وفي نظام العقارات المسجلة نجد العقارات المسجلة الخاضعة للمفعول المنشئ للترسيم والعقارات المسجلة الغير خاضعة للمفعول المنشئ للترسيم. 

كما نجد نظام العقارات الدولية الراجعة لملك الدولة وفي هذا النظام نجد ملك الدولة العام الذي ينظمه أمر 31/05/1885 وملك الدولة الخاص الذي  ينظمه أمر 18/06/1918 وملك الدولة العام منه ما هو طبيعي كالملك العمومي البحري والملك العمومي للمياه والملك العمومي للسباخ ومنه ما هو اصطناعي كالملك العمومي للطرقات والملك العمومي للسكك الحديدية والملك العمومي للموانئ كما نجد الملك الغابي الذي يتكون بدوره من عدة أنظمة إذ نجد الملك الغابي التابع لملك الدولة العام وخاضع لمجلة الغابات والملك الغابي التابع لملك الدولة الخاص والملك الغابي الذي تعود فيه الملكية للخواص ولكن صبغته غابية ! 

وكذلك نظام الأحباس الذي ينقسم بدوره إلى أحباس عامة وأحباس خاصة وأحباس مشتركة ونظام الأراضي الاشتراكية الذي تعود جذوره إلى أمر علي مؤرخ في 14 جانفي 1901 والذي حسم في صبغة هذه الأراضي التي كانت تعتبرها الدولة ملك من أملاكها وتصنيفها على أنها أرض موات إلا أن الأمر المذكور اعترف ولأول مرة برجوع تلك الأراضي للعروش وتحت التصرف الجماعي لها وهو ما دفع بالمحكمة العقارية (المجلس العقاري المختلط سابقا)  إلى الحكم برفض التسجيل لفائدة الدولة على أساس أن الأرض الاشتراكية ليست أراضي موات طبق قرارها المؤرخ في 06 مارس 1909. 

والحقيقة أن الأراضي الاشتراكية ظاهرة منتشرة في شمال افريقيا وتسمى بأراضي العروش أو السباقة بالجزائر وأراضي الجماعة بالمغرب الأقصى و الأراضي الاشتراكية بتونس.  

وبما أنه لا يجوز بيع هذه العقارات أو حوزها أو رهنها أو تسويغها أو غير ذلك من التصرفات القانونية قبل اسنادها من طرف مجلس تصرف ينوب العرش تحت اشراف مجلس الوصاية المحلي الذي يترأسه معتمد الجهة ومجلس الوصاية الجهوي الذي يترأسه الوالي طبق القانون عدد 28 لسنة 1964 المؤرخ في 04 جوان 1964 فقد ظلت هذه الأراضي مهملة وغير مستغلة واعتبرت عقارات ميتة من وجهة نظر اقتصادية باعتبار أن العقار من بين المحركين الأساسيين للدورة الاقتصادية ويجب أن يباع ويشترى ويرهن وإلاّ أعتبر عقارا ميتا.

والحقيقة أن المشرع حاول في عدة مناسبات إيجاد  آليات وصيغ جديدة لحل معضلة الأراضي الاشتراكية وتصنيفها لإدخالها  من جديد في الدورة الاقتصادية من خلال القانون عدد 7 لسنة 1971 المؤرخ في 14 جانفي 1971 والقانون عدد 5 لسنة 1988 المؤرخ في 08/02/1988 وأخيرا القانون عدد 69 لسنة 2016 المؤرخ في 10/08/2016 والتي أعطت صلاحيات عديدة لمجلس التصرف قصد تسهيل أحياء الأرضي الاشتراكية من خلال السهر على رعاية المغروسات والتهيئات العقارية المنجزة وعلى صيانة المناطق المخصصة للرعي وتنظيمها واسناد الأراضي الاشتراكية لفائدة مستحقيها على أساس الملكية الخاصة وإدارة شؤون أملاك المجموعة والتصرف فيها طبق الشروط المنصوص عليها بتلك القوانين ونفس الشأن كذلك بالنسبة لمجالس الوصاية المحلية والجهوية إذ مكنتهما القوانين المذكورة من تنسيق نشاط التصرف وتوجيهه وضبط البرامج الزراعية والبرامج المتعلقة بإحياء الأراضي الاشتراكية وخاصة ابداء الرأي في كل قرار يتخذه مجلس التصرف إلا أن سوء تطبيق القانون وعدم قيام الهياكل المذكورة بعملها على أحسن وجه والنسق البطيء في تصفية تلك الأراضي إذ لا يقع تصفية الا قرابة 20000 هك سنويا ويعود ذلك أساسا  إلى كثرة وتشعب النزاعات القائمة بين  المتصرفين ورفضهم لمقاييس الاسناد المعتمدة قانونا (التصرف والاحياء والإقامة على العين) وتمسكهم بقانون الإرث فضلا عن الصعوبات في تجديد انتخاب أغلب مجالس التصرف بعد الثورة مما أدى إلى فراغ هيكلي وتعطيل تام لعمليات التصفية على غرار مجلس التصرف لمجموعة أولاد سيدي عبيد بولاية توزر ومجلس التصرف لمجموعة أولاد جدلة بولاية قفصة والنزاعات الاستحقاقية القائمة بين مجلس التصرف لمجموعة أولاد يحي ومجلس التصرف لمجموعة أولاد بو يحي بولاية قفصة ... ولعله آن الأوان لإعادة  النظر في معضلة هذه الأراضي الاشتراكية والتي تشكل أكبر عائق للتنمية من خلال تدخل تشريعي جريء لا يهدف إلى الوصول إلى تصفية تلك الأراضي مثلما كان المشرع يحلم دائما بل تدخل تشريعي يحدث انقلابا استيمولوجيا جذريا على مستوى المنطقات والأسس الفلسفية لتلك الأراضي من خلال ادماج هذه في مشروع الشركات الأهلية لتصبح هذه الشركات من أهم روافد التنمية في البلاد. 

هذه الرؤية الجديدة للأراضي الاشتراكية ستساهم في التخلي عن المفهوم التقليدي لهذه الأراضي المرتبط أساسا بفكرة القبيلة والعروش والمجموعة إلى مدلول حديث مواكب للعصر ومساهم فعال في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني من خلال التركيز على المشاريع التنموية في الجهات تماشيا مع حاجيات المناطق وخصوصياتها. 

ولعل فلسفة الشركات الأهلية مثلما ورد في المرسوم عدد 15 لسنة 2022 تقوم أساسا على فكرة الملكية الجماعية الغير قابلة للتقسيم وعدم إمكانية ممارسة نشاطها خارج المعتمدية التي أنشأت فيها أو المعتمديات المجاورة لها وألا يقل عدد المساهمين فيها عن 50 شخصا ووجوب أن لا يقل رأسمالها عن 10 آلاف دينار إذا كانت محلية و 20000دينار إذا كانت جهوية.

ورغم وجود إرادة سياسية لإنجاح هذه الشركات ودعمها خصوصا وأنها لا تزال في خطواتها الأولى من خلال تخصيص خط تمويل بـ 20 مليون دينار وتخصيص نسبة من مداخيل الصلح الجزائي لتمويلها وانخراط البنوك في تمويل هذه الشركات بنسب فائدة منخفضة إلا أن نحاج هذه الشركات يستوجب حتما استغلال المساحات الشاسعة للأراضي الاشتراكية واستعمالها في بعث مشاريعها الاقتصادية فتصبح الأرض الاشتراكية وسيلة انتاج فلاحي أو صناعي أو سياحي أو تجاري تعود بالمنفعة على أفراد الشركة وعلى الجهة وعلى المجموعة الوطنية ككل خصوصا وأن عقلية التضامن والتكتل ونكران الذات من أجل المجموعة هي المحرك الرئيسي لهذه الشركات وربما تلتقي هذه العقلية مع عقلية وفلسفة الأراضي الاشتراكية التي تقوم أساسا على فكرة التضامن الجماعي واكيد ان المجموعة تعرف مشاكلها وحاجياتها فيتم التركيز الجماعي على نشاط معين مرتبط أساسا بحاجيات الجهة وثروات الجهة وهو ما من شأنه أن يعود بالنفع على كامل المجموعة الوطنية فتصبح الأرض الاشتراكية ليس معضلة من معضلات الوضع العقاري في تونس بل  رافدا من روافد التنمية مثلما هو الشأن في دولة الصين التي تعتبر الشركات الأهلية فيها العمود الفقري للاقتصاد الصيني .