مقدمة

يشهد القانون الجبائي الدولي ثورة غير مسبوقة تكاد تعصف بالثوابت التقليدية للقوانين الجبائية الوطنية.

ويقود هذه الثورة فاعلون متفاوتي التأثير أبرزهم منظمة التعاون الاقتصادي والتنميةOCDE ومجموعة ال20   والاتحاد الاوربي والأمم المتحدة.

وهي ثورة قانونية اندلعت في خضم تغيرات جوهرية في اغلب القوانين ذات الصبغة الاقتصادية وفق مسارات متعددة في علاقة بالأزمات المالية العالمية المتلاحقة منذ الثمانينات طالت البنوك (بال 1 و 2 و 3) ومكافحة غسيل الأموال (مجموعة العمل المالي (GAFI)  والتهرب الضريبي ومعايير المحاسبة الدولية  ورقمنة الاقتصاد وقوانين الشركات وخاصة شركات المساهمة.

هذه "العولمة" القانونية التي ترافق العولمة الاقتصادية كانت نتيجة فشل وانسداد الافاق امام القواعد الضريبية التقليدية لمكافحة التهرب والتجنب الجبائيين خاصة من قبل الشركات المتعددة الجنسيات وخصوصا بعد بروز ظاهرة الاقتصاد الرقمي التي جعلت عديد المفاهيم القانونية المستقرة في القانون الضريبي عديمة القيمة مثل مفهوم الاقامة residence  او مفهوم المنشأة الدائمة établissement stable ومفهوم الأرباح، بعد ان اصبح للشركات متعددة الجنسيات أذرع ضاربة في كل مكان في العالم تستحوذ على الارباح دون ان يكون لها "مقر اجتماعي، دون دفع ضرائب او دفع ضرائب مخففة.

ويمكن القول ان مسار هذه الثورة القانونية بدأ بعد الازمة المالية العالمية لسنة 2008/ 2009 وبداية اتفاق أكثر من 130 دولة على رفع السر البنكي  ووضع قواعد صارمة لتبادل المعلومات حول الشركات الكبرى متعددة الجنسيات منذ سنة 2001 . 
فالوضع الحالي يتيح للشركات المتعددة الجنسيات استغلال تعقيد القوانين وتشعبها لأغراض التخطيط الجبائي   optimisation fiscale عبر آليات عديدة مثل تحويل الأرباح بين أعضاء مجموعة الشركات الى دول منخفضة الضرائب او لا تفرض فيها ضرائب مطلقا (الجنات الضريبية) .

ولقد بدأ العمل على هذا المستوى بشكل جدي سنة 2013 بتوصية من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين عبر وضع خطة عمل عرفت بمسار مكافحة تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح. .... BEPS. Base Erosion and Profit Shifting (BEPS). L'érosion de la base d'imposition et le transfert de bénéfice. 

وقبل استعراض هذا المسار يجدر التذكير بأهم الممارسات الضارة بالقاعدة الضريبية.

ثانيا: ابرز الممارسات التي تؤدي الى تآكل القاعدة الضريبية من الشركات متعددة الجنسيات:

بداية يتعين التمييز بين التهرب الضريبي fraude fiscale والتجنب erosion fiscale. .

فالتهرب الضريبي جريمة يعاقب عليها القانون جوهرها القيام بأفعال الغرض منها إخفاء الدخل بطرق مختلفة او عدم الامتثال للواجبات الجبائية بغرض التهرب من الضريبة وفق الفصل 18 والباب الثاني من مجلة الحقوق والاجراءات الجبائية (الفصول 70 وما بعده) .

اما التجنب الضريبي  فالمقصود به "التحايل" على النصوص القانونية عبر استغلال الثغرات فيها بقصد الحصول على تخفيض او إعفاء من الضريبة. بعبارة اخرى التجنب الضريبي هو "تهرب" بموجب القانون.

على ان الحد الفاصل بين المفهومين يبقى حدا هلاميا إذ يمكن لعملية تجنب ان تتحول الى عملية تهرب اذا توفرت فيها أركان جريمة التهرب باعتبارها جريمة قصدية.

ونظرا لتنوع وتشعب حالات التجنب الضريبي يمكن حوصلتها فيما يلي:

 1. تسجيل المقر الرئيسي للشركة في إقليم معفى من الضريبة أو مستفيد من تخفيضات ضريبية، بينما تقوم هذه الشركة بمزاولة جل نشاطها في أقاليم أخرى خاضعة للضريبة وبالتالي الاستفادة من الإقامة الضريبية. ولا أكاد أجازف بالقول ان أسعار تصدير سلع الشركات العاملة في ظل قانون 1972 وهي غير مقيمة في تونس أبرز مثال على هذا الصنف من التجنب الضريبي. وقد قدر المرص الوطني للاقتصاد خسائر تونس بنحو 43 مليار دينار من 2006 الى 2016 . 

 2. نقل السلع من الشركات التابعة للشركات الأم مقابل أسعار تحويل منخفضة تغطي بالكاد التكاليف، مما يؤدي إلى تدني الأرباح والضرائب المترتبة عنها في بلد الإنتاج. 

وبعبارة أخرى يتم التلاعب بالأسعار داخل مجموعة الشركات، من خلال "أسعار التحويل" ويقصد بها تحديد الأسعار التي ينقل بها كيان ما أصولاً مادية أو غير مادية أو يقدم بها خدمات إلى كيانات مرتبطة به لتحويل الأرباح من شركة إلى أخرى، وذلك بهدف تقليص الضرائب المستحقّ عبر اعتماد أسعار للمنتجات تكون أقل من سعر السوق.

وبهذا المعنى تخصص شركة متعددة الجنسيات نسبة أعلى من الأرباح لشركة تابعة لها تقع في ولاية قضائية منخفضة الضرائب، . 

3.القيام بترتيبات هجينة مبنية على الاستفادة من الاختلافات في القوانين الجبائية بين الدول بما يؤدي الى عدم تناسق في المعاملة الضريبية التي يتلقاها المطالب بالضريبة من الدولتين المعنيتين.

4.التلاعب بكيفية تحديد مصدر الإقامة، خاصة في إطار الاقتصاد الرقمي

5.  اللجوء الى المعاملات المالية داخل المجموعة الواحدة من الشركات عبر المعاملات التفضيلية او القروض بدون فائدة.

في مواجهة المخاوف الدولية المتزايدة بشأن التهرب والتجنب الضريبي، طلب وزراء مالية مجموعة العشرين من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وضع خطة عمل بشأن تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الارباح سنة 2013 , وأفضى ذلك الى مشروع مكافحة تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح. BEPS.

أولا: الخلفية:

يمكن القول ان الخلفية القانونية لهذا المشروع الضخم المعطيات الأساسية التالية:

1/ معطى مرتبط بالتهرب والتجنب الضريبي: حيث ان الشركات متعددة الجنسيات تعامل منذ عشرات السنين ككيانات قانونية منفصلة لكل واحدة منها محاسبتها الخاصة دون ربط بين الشركة الفرع والشركة الام، الامر الذي ادى الى معالجة الارباح بشكل منفصل مما ادى الى استغلال هذه الشركات لهذه الوضعية وتعمد تحويل الارباح الى الفضاء القانوني الاقل كلفة ضريبيا. ومن ابرز مظاهر "التحايل" الضريبي بين هذه الشركات هي تعديل أسعار المعاملات بين الشركات التابعة لها (المعروفة باسم "أسعار التحويل"prix des transferts) لتحويل الأرباح من البلدان التي تفرض ضرائب مرتفعة إلى البلدان التي تفرض ضرائب منخفضة، خاصة أن الشركات المتعددة الجنسيات تنشط في أنظمة ضريبية مختلفة وتخضع لمعاهدات ضريبية ثنائية متباينة تهدف إلى الحد من الازدواج الضريبي واحيانا متناقضة وغير متجانسة ، لذا فهي تسعى لاختيار الأنظمة الأكثر فائدة واستغلال الثغرات وأوجه القصور في القواعد الضريبية الدولية لتقليل التزاماتها الضريبية. 

وهذا ما يطلق عليه خطط تحسين الضرائب TAX PLANNING- optimisation fiscale  للشركات متعددة الجنسيات.

وتبين بعض الاحصائيات الرسمية ان حجم التجنب الضريبي التي تقوم به تلك الشركات ناهز ألف مليار دولار .

2/ معطى مرتبط بحاجة الشركات متعددة الجنسيات الى اليقين الضريبي وحاجة الدول الى اقتسام المحصول الضريبي، إذ تخضع الشركات متعددة الجنسيات للضريبة في الأماكن التي تتواجد فيها مرافق الإنتاج الخاصة بها فعليًا. وهو امر غير عادل بشأن الفضاءات الجبائية التي لا تكون مقرا للإنتاج، بل للانتفاع به بما يتعين فرض ضريبة على جزء من أرباح الشركات التي تبيع سلعها وخدماتها في فضاء دولة اخرى غير دولة الانتاج، حتى في حالة عدم وجودها المادي. وهذا يعني بالتالي نقل الحقوق الخاضعة للضريبة إلى بلدان السوق دون إهدار لحقوق البلدان التي تقع فيها المقرات الرئيسية.

تآكل القاعدة الضريبية يتعلق أساسا بما يمكن ان ينتج عن خضوع الشركات متعددة الجنسيان الى تشريعات ضريبة في فضاءات ضريبية مختلفة من هدر للعائد الضريبي او خفضه بشكل مفتعل.وهو ما انكب على معاجلته هذا المسار.

ثانيا: ملخص مسار مكافحة تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح BEPS

هذا المسار يضم اليوم أكثر من 140 دولة منهم تونس ولا تزال الولايات المتحدة الامريكية متحفظة منه خاصة خلال فترة حكم دونالد ترامب حيث ترى نفسها متقدمة كثيرا على مسار BEPS خاصة من خلال قانون يعرف بقانون التخفيضات الضريبية والوظائفTax Cuts and Jobs Act of 2017 (TCJA). وهو ما أهم القوانين الضريبية في عهد الرئيس ترامب والذي خفض من نسبة الضريبة من 35 الى 21 %، وقانون الامتثال الضريبي  Fatca Foreign Account Tax Compliance Act وهو قانون الامتثال الضريبي على الحسابات الأمريكية الخارجية لسنة 2010 بشأن منع دافعي الضرائب الأمريكيين من إخفاء ممتلكاتهم من مصلحة الضرائب الأمريكية.

 وبعبارة أخرى ترى الولايات المتحدة نفسها مصدر إلهام لهذه الثورة القانونية فالقانون الجبائي الأميركي لا يعتد في فرض الضريبة بالإقامة اذ القاعدة ان كل امريكي خاضع للضريبة اينما حقق دخلا.

وهكذا يبدو في نظر الامريكان ان مسار تآكل القاعدة الضريبية الذي اطلقته مجموعة ال20 ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وانضمت له الأغلبية الساحقة من الدول ان هو الا نوع من التماهي النسبي مع ما سارت فيه الولايات المتحدة الامريكية قبل ذلك بمدة . 

ولقد انضمت تونس الى هذا المسار بموجب الامر عدد 225 لسنة 2023 المؤرخ في 10 مارس 2023 المتعلق بالمصادقة على الاتفاقية متعددة الأطراف لتنفيذ الإجراءات المتعلقة بالاتفاقيات الضريبية لتفادي تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح المعتمدة بباريس بتاريخ 24/11/2016 والمرسوم عدد 12 لسنة 2023 المؤرخ في 10 مارس 2023.

ثانيا: المضمون:

يتكون مسار BEPS من 15 إجراء كل اجراء هو بمثابة برنامج عمل على النحو التالي: 

الإجراء 1action: تحديات الاقتصاد الرقمي

يشمل هذا الاجراء ما يعرف بالتحديات الضريبية التي برزت مع الاقتصاد الرقمي الذي تسدى فيه الخدمات وتباع فيه السلع عبر الشبكات العنكبوتية دون رقابة جمركية.

ويمكن تلخيص هذه التحديات في 4: 

1.    الربط الرقمي: ممارسة عديد الانشطة الاقتصادية دون وجود مادي (مثال امازون، نتفليكس ، الخدمات الاستشارية الخ..)

2.    استغلال البيانات الرقمية من قبل الشركات بما يجعل تكييف النشاط ضريبيا ونسبته لجهة ما صعب. 

3.    استخلاص الاداء على القيمة المضافة: تشكل تجارة السلع والخدمات عبر الأنترنت تحديات كبرى لأنظمة ضريبة القيمة المضافة، خاصة عندما يحصل المستهلك على السلعة او الخدمة من الخارج.

4.     الاعتماد على الأصول غير الملموسة او اللامادية، 

ويهدف هذا الاجراء الى الاحاطة بكل الاشكاليات المترتبة عن هذه التحديات من الناحية الضريبية. ولقد أدى هذا الاجراء الى تبني حلين اثنين يعرفان بالركيزة الأولى والركيزة الثانية pillar one and pillar 2 . وتتعلق الركيزة الأولى باقتسام الضريبة بين مختلف الفضاءات الضريبية للشركات متعددة الجنسيات حسب موقع الإنتاج وموقع الاستفادة منه. اما الركيزة الثانية فخصصت للحد من حالة "التسابق المجنون" في إسناد الإعفاءات الجبائية وذلك بوضع نسبة ضريبة دنيا قدرها 15 % لكل الدول المنخرطة في المشار وهي بمثابة اعلان حرب على الجناب الضريبية

الإجراء 2action: تحييد الآثار السلبية للاستعمال المزدوج للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية لمنع الازدواج الضريبي.

حيث تستغل الشركات متعددة الجنسيات الاختلاف بين التشريعات الوطنية للاستفادة من "حرب الإعفاءات الضريبية " والانظمة الضريبة التفضيلية. كما تستفيد من سوء تطبيق تأويل الاتفاقيات الضريبية الدولية. 

هذه الممارسات أدت في الحقيقة الى قلب مبدأ عدم الازدواج الضريبيnon double imposition الى حالة من الاعفاء الضريبي المزدوجdouble exemption أي الانتفاع بالإعفاء الجبائي في كلتا الدولتين العضو في اتفاقية منع ازدواج ضريبي. 

الإجراء 3action: وضع قواعد للشركات الاجنبية المسيطر عليها 

هذا الاجراء يحول دون قيام دافع الضرائب الذي يمتلك حصة في شركة تابعة أجنبية من التهرب من الضريبة من خلال اللجوء إلى تحويل دخله إلى دولة أخرى ووضع قواعد إحكام تأطير السيطرة الفعلية والقانونية من المالك على كيانات في غير الدولة المقيم فيها ضريبيا عبر آليات السيطرة القانونية من الخارج على الشركة المقيمة خاصة عبر الية الشركة القابضة).

وبعبارة أخرى يقع تبديد الوعاء الضريبي لبلد إقامة مالكي الاسهم عن طريق تحويل الدخل إلى شركة أجنبية يسيطر عليها هؤلاء المالكين في دولة اخرى.

ومن اهم المفاهيم التي يشتغل عليها هذا الاجراء مفهوم الاطراف المترابطة او ذات العلاقة parties lieés وفق المعيار الدولي للمحاسبة رقم 24  

الإجراء 4action: الحد من تآكل القاعدة الضريبية عبر خصم الفوائد والتكاليف المالية الأخرى.

من خلال استخدام الأطراف ذات العلاقة او المرتبطة ببعضها تخفيضات مفرطة في الفوائد أو للتضخيم في الدخل المعفى، إذ غالبا ما تلجأ الشركات الام في علاقتها بالفروع في مختلف دول العالم الى افتعال مصاريف ونفقات فيما بينها تكون ذات طبيعة تفضيلية الغرض منها التجنب الضريبي (قروض بدون فائدة، تقاسم مصاريف تشغيلية، تقاسم خسائر، وضع موظفين على الذمة ..الخ) من خلال:

•    الترفيع في مستويات الدين للطرف المرتبط في البلدان ذات الضرائب المرتفعة.

•    استخدام القروض داخل المجموعة لتوليد خصومات فائدة تزيد عن مصروفات فوائد طرف مستقل مقارنة بالمعاملة بين أعضاء المجموعة.

ولقد اعتمدت المحكمة الادارية  في تونس مفهوم التصريف غير العادي acte anormal de gestion كمعيار لإعادة تكييف بعض العمليات ضريبيا .

الإجراء 5actionخاص بالأنظمة الضريبية الضارة والتي تعزز تآكل الوعاء الضريبي عبر: تعزيز التبادل التلقائي للمعلومات بين السلط الضريبية بشأن الأحكام المتعلقة بالأنظمة الضريبية التفضيلية

ويمكن تلخيصها في 3 مسارات:

•    تقييم الانظمة الضريبية لكل البلدان لمعرفة اي منها يسهل التهرب والتجنب الضريبي من خلال الميزات الضريبية التفاضلية التي يمنحها بما يضر بالفضاءات الضريبية الاخرى. مثال ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية تجري عبر وزارة التجارة تحقيقات دورية حول الدول التي تعطي لأصناف من الانتاج حوافز ضريبية وغالبا ما تنتهي برفع قضايا امام منظمة التجارة العالمية.

•    فسح المجال امام التقييم المتبادل peer review  بين الدول لتلك الانظمة التفضيلية من خلال التبادل التلقائي للمعلومات حول مختلف القرارات او القوانين التي تتخذ لوضع انظمة ضريبية تفضيلية مقبولة.

•    مراجعة ما يسمى بمتطلبات النشاط الجوهري activites substantiellesفي الدول التي تكون فيها الضرائب منخفضة او صفرية. ويقصد بمتطلبات النشاط الجوهري وجود نشاط فعلي حقيقي يتكبد من خلاله المطالب بالضريبة نفقات فعلية من خلال كيان فعلي وعدد معين من العملة وذلك لمقاومة توطين النشاط الفعلي في غير مقر الوجود القانوني للكيان او المشروع او الشركة، وهي حالة اشتهرت بها بعض دول الكاراييب (جزر كايمان، الجزر العذراء وحتى دول في اروبا مثل لكسمبروغ وايرلندا).

ويذكر ان تونس أعلنت انضمامها الى الاتفاقية متعددة الاطراف حول التبادل الآلي للمعلومات وصادق عليها مجلس الوزراء بتاريخ 10 فيفري 2024 في انتظار صدور المصادقة عليها بقانون.

 الإجراء 6action: منع إساءة استخدام المعاهدات الضريبية treaty shoppingوضع نموذج معاهدة منع ازدواج ضريبي 

من خلال منع إساءة استخدام الاتفاقيات الضريبية. ويمكن اعتبار ذلك من قبيل التعسف في استعمال الحق ومن الأمثلة على ذلك:

التلاعب بشرط الاقامة للانتفاع باتفاقية منع ازدواج ضريبي حيث يتم دفع الدخل إلى وسيط مقيم في دولة طرف في المعاهدة للانتفاع بمزاياها في حين انه ليس المستفيد الحقيقي من هذا الدخل (وكيل مثلا). ويعتبر مفهوم المستفيد الحقيقي اليوم من المفاهيم المركزية لمكافحة الارهاب وتبييض الاموال وكذلك التهرب الضريبي على حد سواء.

ولهذه الغاية وضع مسار BEPS اطارا مرجعيا يضبط المعايير الدنيا لمضمون اي اتفاقية منع ازدواج ضريبي عبر اعتماد الية اتفاقية متعددة الاطراف تتضمن الحد الادنى المطلوب لتجنب التلاعب بمعاهدات منع الازدواج الضريبي وهي الية "نسخت" كل الاتفاقيات الثنائية او الإقليمية لمنع الازدواج الضريبي صبرة واحدة اي ما يقارب 2000 اتفاقية ثنائية لمنع الازدواج الضريبي عدلت بموجب هذه الالية. وحاليا تشمل هذه الالية -التي دخلت حيز التنفيذ منذ 1/7/2018 قرابة 102 دولة وصادقت عليها تونس منذ 24/7/2023 (التوقيع في 24/1/2018) فيما ينتظر انضمام لبنان والجزائر قريبا.

الإجراء 7action: افتعال حالة المنشأة الدائمة 

من خلال مراجعة تعريفها من خلال استخدام علاقات الوكالة والعمولة.

من المعلوم ان المنشأة الدائمة هي امتداد لشركة غير مقيمة داخل الدولة وتعامل ضريبيا مثل الشركات المقيمة. ولتفادي وضع المنشأة الدائمة تقوم بعض الشركات غير المقيمة بالالتفاف على وضع المنشأة الدائمة عبر تعويض فروعها من كيانات تابعة لها مثل الموزعين الى مجرد وكلاء يتقاضون. وهكذا تبدو الشركة غير المقيمة المحققة لدخل داخل الدولة شخص مقيم وليس له منشأة دائمة وتحول الأرباح الى الخارج دون ضريبة.

ولقد تم في اطار هذا الاجراء مراجعة مفهوم المنشأة الدائمة من خلال وضع المعايير التالية:

•    التأكد من أن الوسيط او الوكيل يعمل بشكل مستقل عن الشركة غير المقيمة والا يكون في حالة تبعية لها. فإذا ثبت ارتباط وتبعية بينهما من الناحية الفعلية اعتبرت الشركة مقيمة ضريبيا.

•    تقييد تطبيق عدد من الاستثناءات لتعريف المنشأة الدائمة على الأنشطة ذات الطبيعة التحضيرية أو المساعدة بحيث ليس من الممكن الاستفادة من هذه الاستثناءات عن طريق تجزئة أعمال التشغيل المتماسكة إلى عدة عمليات صغيرة.

•    معالجة الحالات التي يتم فيها التحايل على الاستثناء المطبق على مواقع البناء من خلال التقسيم أو التفريق بين المؤسسات المترابطة.

الإجراءات من 8 إلى 10action: مراجعة قواعد التسعير التحويلي:

 من خلال مراقبة نقل الأرباح عن طريق نقل الأصول غير الملموسة بين أعضاء المجموعة، او نقل المخاطر ورأس المال بين أعضاء المجموعة أو تخصيص رأس مال زائد لهم، أومن خلال الانخراط في معاملات غير حقيقية، بين أطراف اخرى، مثل تحويل الارباح الى الشركات الواجهة sociétés ecran .

ولقد تم اعتماد مبدأ المنافسة الكاملة Le principe de pleine concurrence بهدف منع الشركات متعددة الجنسيات من اعتماد قواعد تحويل الارباح بشكل مضر بالوعاء الضريبي إذا ينص المبدأ الجديد على أن أسعار المعاملات داخل المجموعة يجب أن تكون مماثلة لتلك التي تتم في المعاملات المماثلة بين الأطراف المستقلة.

وقد تم اعتماد 3 حلول يتعين على الدول الأعضاء تبنيها عبر فرض اصدار الشركات المعنية لوثائق أساسية:

-    التصريح بالتسعير التحويلي للشركات التي يناهز دخلها 20 مليون دينار في السنة

-    الملف الرئيسي ويتضمن كل المعطيات الأساسية والهامة حول هيكلة وأصول وأنشطة الشركات داخل وخارج المجموعة

-    الملف المحلي ويشمل نفس المعلومات المتعلقة بالخاضع للضريبة محليا

-    والتقارير لكل دولة على حدة وهي تقارير كمية حول نشاط الشركات يتعين مشاركتها بين الدول الاعضاء

كما تم اعتماد معايير معقدة في ضبط أسعار التحويل أساسها مبدأ المنافسة الكاملة principe de pleine concurrence ويعني معاملة المعاملات داخل مجموعة الشركات على انها معاملات بين شركات مستقلة عن بعضها البعض ولا يجوز اعتماد الأسعار التفضيلي او التمييزية بينها أي إعمال قاعدة السوق.

وتتلخص هذه المعايير في:

1/ معايير تقليدية قائمة على المعاملات البينية:

-    معيار السعر المقارن في السوق الحرة

-    معيار سعر إعادة البيع  

-    معيار سعر التكلفة الإضافية. 

2/ معايير مبنية على ارباح المعاملات

-    معيار كيفية تقاسم الأرباح 

-    معيار صافي هامش المعاملات .

وفي تونس تم تبني هذه المعايير ضمن قانون المالية لسنة 2019 .  

وصدرت لهذا الغرض 4 مذكرات عامة عن وزارة المالية وهي:

-    مذكرة عامة عدد 11 لسنة 2020 تتعلق بملائمة التشريع الجبائي مع المعايير الدولية للتسعير التحويلي

-    مذكرة عامة عدد 12 لسنة 2020 تتعلق بالاتفاق المسبق على التسعير التحويلي 

-    مذكرة عامة عدد 13 لسنة 2020 تتعلق بواجب بالتزامات التصريح على التسعير التحويلي 

-    مذكرة عامة عدد14 لسنة 2020 تتعلق بالتقارير لكل دولة على حدة .

الإجراء 11action : جمع البيانات حول الاعمال الضارة بالقاعدة الضريبية وتحليلها 

تقدر بعض التقارير حجم التجنب الضريبي ب 10 % من الدخل العالمي بما يصل الى 240 مليار دولار .

لذلك يهدف هذا الاجراء الى العمل على وضع منهجيات لجمع وتحليل البيانات حول الاعمال الضارة بالوعاء الضريبي من خلال اليات عديدة:

1.    قياس معدلات ربح الشركات التابعة للشركات متعددة الجنسيات الموجودة في البلدان منخفضة الضرائب عندما تكون أعلى من متوسط معدل ربح المجموعات في جميع أنحاء العالم

2.    قياس حجم الاستثمار الخارجي 

3.    معاينة حالات الفصل بين موقع الارباح وموقع خلق القيمة المضافة لتجنب الضريبة

الإجراء 12action : فرض قواعد الافصاح الالزامي

مطالبة دافعي الضرائب بالإفصاح عن ترتيباتهم الضريبية مع الأخذ في الاعتبار التكاليف الإدارية للإدارات الضريبية والشركات والاستفادة من الخبرات من العدد المتزايد من البلدان التي لديها مثل هذه القواعد. 

والهدف من ذلك هو تحقيق التوازن بين الحاجة الى المعلومة السريعة بخصوص مخططات التلاعب الضريبي من جهة وعدم اثقال المطالب بالأداء والادارة الضريبية على حد سواء بالواجبات الجبائية ذات الاثر العكسي.

الإجراء 13action: التقارير الخاصة بكل دولة على حدة

أخضع مسار BEPS الشركات متعددة الجنسيات الكبرى الى واجب التصريح لكل بلد على حدة عن التوزيع العالمي لمداخيلها وارباحها والضرائب التي دفعتها ومختلف انشطتها الموزعة على مختلف الدول والفضاءات الضريبية. 

وهذه التقارير تحال الى مختلف الادارات الضريبية للدول المنخرطة في المسار والتي يتعين عليها ان تعمل على إعادة فحص وثائق تسعير التحويل على تطوير القواعد المتعلقة بوثائق التسعير التحويلي لتعزيز الشفافية بالنسبة للإدارات الضريبية.

 ولقد تم تكريس هذا الاجراء عبر ما يسمى ب"التصريح بالتسعير التحويلي والملف الرئيسي والملف المحلي من قبل الشركات متعددة الجنسيات.

ولقد مكن هذا الاجراء لحد الان من وضع قاعدة بيانات ل7000 شركة متعددة الجنسيات لها مقرات أساسية في 47 دولة او فضاء ضريبي وتنشط في أكثر من 100 دولة.

ومن اهم الاليات القانونية المعتمدة أيضا اتفاقية المساعدة الادارية المتبادلة والتي تضم حاليا 147 دولة منها تونس الموقعة من قبل الجمهورية التونسية في تاريخ 16 جويلية 2012، والمصادق عليها بالقانون الأساسي عدد 8 لسنة 2013 المؤرخ في 1 أفريل 2013.

ولقد صدر في هذا الإطار الأمر الحكومي عدد 90 لسنة 2020 المؤرخ في 19 فيفري 2020 المتعلق بإبرام الاتفاق متعدد الأطراف بين السلط المختصة المتعلق بتبادل التصاريح حسب كل دولة، المبرم بباريس بتاريخ 27 جانفي 2016 ويناهز عددها 90 دولة وفضاء ضريبي.

كما صدر قرار وزيرة المالية المؤرخ في 29 أفريل 2022 المتعلق بضبط مضمون التصريح حسب كل دولة، ثم صدر قرار من وزيرة المالية مؤرخ في 15 جوان 2022 يتعلق بضبط قائمة البلدان التي أبرمت مع البلاد التونسية اتفاقا يخول التبادل الآلي للتصريح حسب كل دولة

الإجراء 14action: العمل على جعل آليات حل النزاعات أكثر فعالية من خلال تفعيل المادة 25 من الاتفاقية الضريبية النموذجية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ووضع آلية ودية تمكن السلطات المختصة في الدول المتعاقدة من حل المنازعات أو الصعوبات المتعلقة بتفسير أو تطبيق الاتفاقية الضريبية، عن طريق اتفاق ودي.

وتخضع الدول الاعضاء الى تقييم بخصوص هذا الاجراء على مرحلتين: مرحلة 1 تتعلق بمدى توفر المعايير الدنيا لتطبيق هذه التوصيات ومرحلة 2 تتعلق بمتابعة تنفيذ التوصيات.

ولقد خضعت تونس للتقييم بخصوص هذا الاجراء وانتهت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الى معاينة وجود نقائص كثيرة من حيث فحوى اتفاقيات منع الازدواج الضريبي التي ابرمتها تونس (قرابة 55 اتفاقية منع ازدواج ضريبي ) من حيث مدى تضمنها اليات فض النزاعات بما يتلاءم وروح المادة 25 المشار إليها. علما وان من بين 55 اتفاقية ابرمتها تونس اثنان فقط لا تنصان على حل النزاعات الضريبية تطبيقا للاتفاقية الضريبية، وديا.

ولقد أصدرت وزارة المالية مذكرة عامة عدد 23 حول طرق تطبيق الإجراءات بالتراضي المنصوص عليها باتفاقيات تفادي الازدواج الضريبي المبرمة من قبل البلاد التونسية. ويتعين التنويه الى ان تونس لا تقبل التحكيم كحل لفض النزاعات الجبائية وفق المذكرة العامة عدد 23 المشار إليها.

الإجراء 15action: تطوير آلية متعددة الأطراف لتعديل الاتفاقيات الضريبية الثنائية.

تعود اغلب اتفاقيات منع الازدواج الضريبي الى عشرينيات القرن العشرين زمن "عصبة الأمم société des nations وهي لم تعد متلائمة ومتطلبات العولمة والكثير منها ادى الى استشراء ظاهرة التجنب والتهرب الجبائي بفضل تلك الاتفاقيات.

لذلك تم وضع إطار متعدد الأطراف (BEPS MLI) حلولاً ملموسة للحكومات لسد الثغرات في المعاهدات الضريبية الدولية من خلال نقل نتائج مشروع BEPS إلى المعاهدات الضريبية الثنائية في جميع أنحاء العالم.  بما يتيح للحكومات اعتماد الحد الأدنى من المعايير المتفق عليها لمواجهة إساءة استخدام المعاهدات.  ويضم المسار حاليا قرابة 147 دولة منها تونس   التي صادقت على هذه الآلية بتاريخ 24/7/2023 ودخلت حيز النفاذ منذ 1 نوفمبر 2023. ويمكن القول ان ال55 اتفاقية ضريبية وقعتها تونس أصبحت معدلة بموجب هذه الآلية. كما الحقت تونس بوثيقة المصادقة قائمة من التحفظات على بعض بنود الاتفاقية متعددة الأطراف.
 
ثالثا: نقد مسار BEPS او الثورة الضريبية "المغشوشة"

في السياسة الدولية يمكن القول أن للدول الضعيفة الجلسة العامة للأمم المتحدة وللأقوياء مجلس الامن.

في الاقتصاد يمكن القول ان للدول الكبرى مجموعة ال7 ومجموعة ال20 وللضعفاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومختلف المبادرات الإقليمية الأخرى مثل الاتحاد الافريقي . 

لا تكاد يفلت القانون الجبائي الدولي من هذه المعادلة.

فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCDE بإيعاز من مجموعة ال20 (الدول الأكثر ثراء في العالم) وضعت وفرضت تصورها بشأن مراجعة القواعد الضريبية لاتفاقيات منع الازدواج الضريبي التي يتعين الاحتكام لها والقائم على فرض الضريبة على الكيان حيث يكون مقر الإقامة وفي احسن الحالات اقتسام الضريبة بين دولة المقر ودولة الانتاج.

في حين يقوم نموذج الأمم المتحدة لاتفاقيات منع الازدواج الضريبي على مكان تحقيق الدخل بصرف النظر عن مقر الشركة الام.

ان أسس قواعد الضريبة المروج لها من قبل مجموعة ال20 لا تراعي ان جزء هام من المداخيل الضريبية للدول الفقيرة متأت من نشاط هذه الشركات متعددة الجنسيات. وان مشاركة الدول الغنية للدول الفقيرة في ذلك المحصول الضريبي يمثل خطرا كبيرا على التوازنات المالية للدول الفقيرة.

و يرى خبراء الدول الفقيرة او لنقل دول الجنوب ان هذا المسار يخفي وراءه هيمنة غربية على المحاصيل الجبائية للدول الفقيرة خاصة من خلال السعي الى اقتسام العائد الجبائي الذي يمكن ان تحققه الدول السائرة في طريق النمو مع دول الإنتاج أي الدول الكبرى التي تقوم ب"سباق - ملاحقة" للشركات متعددة الجنسيات التي غالبا ما تقوم بتوطين نشاطها في الدول الفقيرة او متوسطة الدخل بحثا عن نسب الضريبة الضعيفة او للتقليل من كلفة الإنتاج (يد عاملة رخيصة وتشريع مرن). 

فعلى سبيل المثال تفرض الركيزتان الاساسيتان piler 1 et pilier 2 (الركيزة 1 و 2) من هذا مسار اقتسام محصول الضرائب بين الدول (الركيزة 1) وفرض حد أدنى من نسبة الضريبة على الشركات ب15 % (الركيزة 2) بما يحبط مفعول سياسة الإعفاءات الجبائية لجلب الاستثمار الأجنبي لدى الدول الفقيرة وتفقد الإعفاءات الجبائية خصوصيتها كميزة استثمارية. وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي تخسر الدول سنويا 555 مليار دولار بسبب إعفاء 120.000 شركة متعددة الجنسيات من الضريبة.  

ولقد حاولت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية "طمأنة" دول الجنوب بأن الهدف الرئيسي ليس توزيع محصول الضرائب بين كافة الدول بصرف النظر عن وضعها التنموي، بل ان الغاية هو تركيز أنظمة ضريبية شفافة يبرز من خلالها الدخل الحقيقي والارباح الحقيقية لتلك الشركات والتي لطالما انتفعت بترتيباتها الهجينة والغامضة لتلتف على معظم الأنظمة الضريبية بالدول الفقيرة نظرا لقلة الكفاءة او ضعف الرقابة او الفساد لدى تلك الدول. 

ولنا في تونس مثال الضريبة على المحروقات وما أثاره من لغط وجدل سياسي حول شفافية دفع الشركات الأجنبية للضريبة على المحروقات خاصة بسبب ما لاحظه عديد الخبراء من البون الشاسع بين ما تتضمنه القوائم المالية لتلك الشركات لدى دولة المقر وما تصرح به لدولة الإنتاج.

ان الشرخ الكبير بين إعلان النوايا لدى الدول الغنية في فرض الشفافية الضريبية من جهة وواقع الادوات التشريعية التي خلص اليها مسار مكافحة تآكل القاعدة الضريبية من قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE والذي كرس مصالح تلك الدول على حساب الدول الفقيرة من جهة ثانية أكد في النهاية ان رهانات القانون الجبائي الدولي عكست موازين القوى داخل المجتمع الدولي، وهو ما لاحظته لجنة الامم المتحدة للضريبة the United Nations Tax Committee   التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة في تقرير لها بتاريخ 20/10/2023 انه" على الرغم من الخطاب حول المعاهدات الضريبية التي تشجع الاستثمار، فإن السماح لغير المقيمين في الواقع بالتهرب من الضرائب على أرباح الأعمال التجارية في البلاد يضر بكل من عائدات الضرائب والاقتصاد، من خلال تثبيط الشركات الأجنبية عن خلق فرص عمل محلية، ومنحها مزايا ضريبية على الشركات المحلية".

ولا شك أن تأخر الأمم المتحدة وضعفها المؤسساتي في مجاراة نسق عمل مجموعة ال20 والOCDE ومن ورائهم مجموعة ال7 ومنتدى دافوس أدى إلى ضعف المركز التفاوضي لبلدان الجنوب حيث ان الأمم المتحدة لم تعتن بهذا الملف الا بداية من سنة 2005 تاريخ انشاء لجنة الخبراء في الضريبة داخلها والذي كان مجرد لجنة وقتية groupe ad hoc...
ولقد قدمت الأمم المتحدة عبر لجنة الضرائب التابعة لها بديلا لتوجهات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يقوم على قاعدتين:

1/ اعتماد الية اطلق عليها اسم الية المسار السريع Fast-Track Instrument والذي ارتكز على مراجعة نموذج الأمم المتحدة لاتفاقية منع الازدواج الضريبي بهدف حماية ضرائب المصدر وليس ضرائب المقر اي ارساء قاعدة ضريبة تراعي مكان خلق الثروة لا مكان مقر الشركات متعددة الجنسيات.
ويتوقع ان يكون هذا المسار جاهز موفى سنة2025  .

2/ مواجهة مخاطر الاقتصاد الرقمي لدى الدول النامية 

اعتمد مشروع الأمم المتحدة في هذا المجال على التركيز على فرض الضرائب على منتجات الاقتصاد الرقمي عبر آلية الخصم من المورد على الشركات التي تسوق منتوجاتها بطريقة رقمية بناء على معيار الوجود المادي presence physique للخدمة او السلعة وبالتالي فرض الضريبة من دولة الانتفاع بالخدمة او السلعة وليس من دولة انتاج السلعة (مثال على نتفليكس دفع الضريبة على مبيعاتها في دولة الانتفاع وليس في دولة المقر (كالفورنيا).

كما خصص المشروع احكاما خاصة بإسداء الخدمات عن بعد وأخضعها للضريبة في بلد الدفع وليس في بلد مسدي الخدمة. 

وهنا نلفت النظر الى أهمية وسائل الدفع الدولية التي لا تزال تونس تتوجس منها مثل paypal حيث ان ثمن الخدمات المستوردة يمكن ان تقتطع منه الضريبة لفائدة الدولة عوضا عن الوضع الحالي حيث يضطر موردي تلك الخدمات في تونس الى استعمال بطاقات بنكية معتمدة خارج تونس وهي مخالفة صرفية على معنى مجلة الصرف بتشجيع من الدولة!!!! ومضرة بالقاعدة الضريبية في تونس.

في كملة هناك مساران متعارضان لإصلاح القانون الجبائي الدولي مسار OCDE الحامي لمصالح الدول المتقدمة ومسار الأمم المتحدة الحامي لمصالح الدول النامية.

ولقد لخصت أستاذة الاقتصاد في جامعة ماسوشتس في الولايات المتحدة الامريكية جاياتي غوش Jayati Goshهواجس الدول الفقيرة بالقول" قد تكون الاختلافات بين المعاهدتين (نموذج اتفاقية منع الازدواج الضريبي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصاديةOCDE ونموذج اتفاقية منع الازدواج الضريبي للامم المتحدة،  تقنية، لكنها ليست بسيطة. وإذا كانت هذه البلدان راغبة في الاستفادة من الإطار الضريبي الدولي الأكثر عدالة، فيتعين عليها أن تكون مستعدة للنضال من أجل بديل أفضل" .

استخلاص الدروس:

سواء تعلق الامر بحرب فرض الضرائب من قبل الدول الغنية او بحرب الإعفاءات الجبائية لجلب الاستثمار من قبل الدول الفقيرة، فإن إصلاح القوانين الجبائية لدى هذه الدول حتمية لا مفر منها على ضوء الخسائر الجبائية المهولة لهذه الدول حيث قدر السيناتور الفرنسي أريك بوكاي في تصريح لجريدة l humanite  انه “على كل 1 أورو تمنحه الدول الغنية لدول الجنوب، هناك 10 أورو تعود للدول المانحة في شكل أرباح ناتجة عن إعفاءات جبائية .

وحى تخرج هذه الدول من حالة "الغبن" الجبائي يتوجب عليها الاستفادة من مسار المراجعات العميقة لأسس الانظمة الضريبية التي تتولاها المنتديات العالمية سواء في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية او في نطاق الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وتنسيق سياسات دول الجنوب فيما بينها وبالتالي الخروج إما من حالة الطاعة العمياء للدول الغنية او الرفض السلبي وغير المنتج لمسارات العولمة القانونية على مستوى القانون الجبائي الدولي.