مريم الفطناسي
باحثة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس
لا تزال التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها تونس منذ 14 جانفي 2011، وإلى حد اليوم، تعتبر من أهم المشاكل التي واجهت الحكومات المتعاقبة في البلاد، لا سيما وأن مختلف المؤشرات تدل على أن تونس تسير بخطى متسارعة نحو الانهيار الاقتصادي والمالي، في ظل تراجع قيمة الدينار وارتفاع نسبة التضخم والعجز في الميزان التجاري(1)، الأمر الذي جعل رئيس الجمهورية يصدر المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته(2) والصلح يعني السلم من تصالح القوم بينهم أي اتفقوا(3). أما اصطلاحا فهو عقد يدفع النزاع وينهي الخصومة(4). ويختلف الصلح عن غيره من المفاهيم للمجاورة كالتنازل والرجوع في الشكاية والعفو والتحكيم وغيرها ويعزى هذا الاختلاف أولا إلى الطبيعة القانونية لكل مؤسسة وثانيا إلى صور ممارسة كل إجراء على حدة ومدى تشابه أو اختلافه من هذه الناحية مع الصلح(5)، على أنه يلاحظ ورغم التباين الواضح بين كل هذه المفاهيم أن لها قاسما مشتركا مهما يتمثل في إنهاء الخصومة ووضع حد للنزاع بصورة مستقلة على جهاز القضاء(6). وعلى كل، فإن الصلح الجزائي قد حصل الإجماع على تعريفه فقها وبدقة على كونه "إجراء غير قضائي يخول للسلطة للهيئة المؤهلة لذلك قانونا عرض الصلح أو قبوله من الشخص المرتكب لجريمة نص المشرع صراحة على أنها تقبل الصلح والتخلي عن الدعوى العمومية أو عن تنفيذ العقوبات المحكوم بها ويكون ذلك التخلي كليا إذا ما تم الصلح قبل صدور حكم بات أو جزئيا إذا كان بعد صدور ذلك الحكم مقابل تخلي المخالف عن حماية وضمانات القانون الجزائي ودفعه مبلغ محدد"(7). وانطلاقا من هذا التعريف، يتضح أن الصلح الجزائي لا يعد غاية في حد ذاته، بل وسيلة ترمي أساسا إلى تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية، أي تعويض الضرر المالي الحاصل للدولة والمجموعة الوطنية بدلا من الاقتصار(8). وقد حدد المرسوم عدد 13 لسنة 2022 الجرائم المشمولة بالصلح وهي الجرائم والأفعال التي ترتبت عنها منافع غير شرعية وألحقت ضررا ماليا بالدولة أو الجماعات العمومية، سواء وقعت قبل 2011 أو بعدها إلى تاريخ صدور المرسوم(9). وشمل ذلك مجالات واسعة مثل الاستيلاء على المال العام، والرشوة، وتبييض الأموال، والتهرب الجبائي والجمركي، ومخالفات الصرف وغيرها(10).
المرسوم في نسخته الأولى أثار جدلا واسعا، فهناك من اعتبره ضرب لمسار العدالة الانتقالية ومحاولة الإفلات من العقاب(11).
وتفاعلا مع هذه الانتقادات الشديدة التي رافقت إصدار المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي، تم تعديله بمقتضى القانون عدد 3 لسنة 2024 مؤرخ في 18 جانفي 2024(12)، ويهدف هذا التعديل إلى استعجال النظر في ملفات الصلح، كما تضمن أيضا إجراءات لتبسيط التسويات، منها إقرار إمكانية الصلح الوقتي، حيث يسمح بأن يدفع 50 بالمائة من المبلغ المستوجب ويفرج عنه مؤقتا مع الالتزام بدفع الباقي خلال فترة تم تمديدها من 03 إلى 06 أشهر. كما سمح بأن يكون نصف المبلغ المتبقى في شكل مشاريع تنموية بقيمة المبلغ، المتبقى في شكل مشاريع تنموية بقيمة المبلغ(13).
هذه الصيغة تسمح فعليا بالاعتراف بصعوبة توفير مبالغ كبيرة دفعة واحدة، وتقترح بديلا عمليا الاستثمار عوضا عن النقد.
كذلك ألغى التنقيح إمكانية الطعن في قرارات التسوية الصادرة عن مجلس الأمن القومي لضمان سرعة التنفيذ، وعدل إجراءات مصادرة أملاك المتهربين. وبالرغم من هذه التعديلات التي عرفها نظام الصلح الجزائي، فإنه يظل محل نقاش فقهي وقضائي لما يثيره من إشكاليات تطبيقية عميقة تتعلق بمدى تناغمه مع أسس السياسة الجزائية خصوصا قدرته على جبر الضرر المالي الحاصل للدولة والمجموعة الوطنية دون المساس بمبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، فضلا عن تأثيره المباشر على القضاء وتهميش دوره في مباشرة الدعوى العمومية وتوقيع الجزاء المناسب على الجناة. وقد أصبح من المتجه وبناء على هذه المعطيات المعتبرة طرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى نجح الصلح الجزائي في تحقيق الأهداف المرجوة دون المساس بجوهر العدالة الجزائية ؟
إن الإجابة عن مثل هذه الإشكالية تقتضي التعرض إلى البحث أولا في تكريس الصلح الجزائي لمبدأ العدالة التعويضية (الجزء الأول) حتى يتسنى النظر في ما بعد في كيفية ترسيخه لسياسة الإفلات من العقاب (الجزء الثاني).
الجزء الأول
تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية
يندرج الصلح الجزائي ضمن سياسة جزائية تهدف إلى البحث عن أساليب جديدة ومستحدثة لتعزيز العدالة التعويضية عبر تمكين الدولة والمجموعة الوطنية من استرداد ما لحق بها من أضرار نتيجة الأفعال الإجرامية. إذ يتيح الصلح إمكانية جبر الضرر والمالي للدولة والمجموعة الوطنية (الفقرة الأولى) من خلال ضمان سداد الخسائر الناتجة عن الأفعال المخالفة للقانون، وكذلك يسهم في استرجاع الأموال المنهوبة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: جبر الضرر
يندرج قانون الصلح الجزائي عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته(14)، ضمن سياسة جزائية تهدف إلى البحث عن أساليب جديدة ومستحدثة لتجاوز قصور العقوبة الجزائية عن جبر الضرر اللاحق بالدولة(15). فعندما أقر المشرع التونسي قانون الصلح انطلق من حقيقة واقعية مفادها أن هناك مليارات من الأموال والمكاسب الموجودة داخل البلاد أو خارجها وأنه لا سبيل عمليا لاسترجاع هذه الأموال بمجرد معاقبة الجاني، بل عبر اعتماد مقاربة تقوم على تقديم تطمينات قانونية وإظهار نوايا حسنة في أن المتهم لن يتسلط عليه جزاء سالب للحرية(16) متى التزم بدفع مبلغ مالي لفائدة خزينة الدولة يقدر تبعا لحجم الضرر المالي، الحاصل للدولة والهيئات التابعة لها والمنافع غير الشرعية أو غير المشروعة المتأتية من الجريمة، بما يشكل شكلا من أشكال التعويض المباشر(17). غير أن هذا التوجه، على الرغم من وجاهته الظاهرية، يثير جملة من الإشكاليات التي سترافق تطبيقه.
حيث لا يراعي جبر الضرر، كما أقره القانون عدد 3 لسنة 2024 بالضرورة مبدأ التناسب بين جسامة الجريمة وحجم الأضرار المترتبة عنها، خاصة الأضرار المعنوية المتمثلة في المساس بمبدأ مكافحة الفساد(18)، وهي أضرار لا يمكن جبرها بالمال وحده. كما يختزل الضرر في علاقة ثنائية تعويضية بين الدولة والجاني، متجاهلا كون الجرائم المالية والاقتصادية تمس المجموعة الوطنية ككل، الأمر الذي يحول الصلح من آلية داعمة للمساءلة الجزائية إلى بديل عنها(19). كما يؤدي هذا الخيار التشريعي إلى تحويل الدولة من سلطة زجرية إلى طرف ذي مصلحة مالية. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذا التوجه مع وظيفة النيابة العمومية بوصفها مثلا للهيئة الاجتماعية ووكيلها في تتبع مجرميه(20)، لا مجرد وكيل لتحصيل الأموال.
وترتيبا على ما تقدم يمكن القول أن فاعلية الإطار القانوني للصلح الجزائي في تحقيق جبر الضرر لفائدة الدولة والمجموعة الوطنية ما تزال محدودة جدا. ورهان "حصد آلاف المليارات في بضعة أشهر" انقلب إلى خيبة أمل تجسدت في بضعة ملايين فقط، مع إعفاء عدد من كبار المتهمين من المحاكمة(21)، وهو ما يكرس سياسة الإفلات من العقاب.
الفقرة الثانية: استرجاع الأموال المنهوبة
ينص الفصل 4 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 والمنقح بالقانون عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته على أن "الصلح الجزائي يفضي إلى توحيد مسار استرجاع الأموال المنهوبة من الدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى بقصد إعادة توظيفها في التنمية الوطنية والجهوية والمحلية وتحقيق المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي". وباستقراء الفصل المذكور أعلاه، يلاحظ أن المشرع جعل استرجاع الأموال المنهوبة والمنافع المتحصل عليها بوجه غير مشروع شرطا أساسيا لإبرام الصلح. وعلى الرغم من أهمية هذا الشرط، لم يقم المشرع بوضع تعريف محدد له، فلم تتضمن النصوص القانونية المحددة لمختلف الهياكل التي كلفت بملف الأموال المنهوبة وآخرها الأمر الرئاسي المتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج أي تحديد لهذا المفهوم وحدوده(22).
وأمام غياب نص تشريعي يوضح مفهوم الأموال المنهوبة وكيفية استردادها، يمكن الاسترشاد بما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(23) في فصلها الخامس وبالتحديد المواد من (51 إلى 59). وحتى مع عدم وجود مادة مخصصة لتحديد مفهوم الأموال المنهوبة ضمن الاتفاقية، فإن قراءة مختلف مواد الفصل المذكور تحيلنا إلى الربط المباشر بين الأموال المنهوبة وعائدات الفساد في معناه الواسع. فتكون الأموال المنهوبة من هذا المنطلق جملة العائدات والممتلكات المحالة إلى الخارج والمتأتية من أفعال مجرمة وغير قانونية، بغض النظر عن الطرق والوسائل المعتمدة في تحويلها(24).
والملاحظ أيضا أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا تقدم تعريفا مباشرا لاسترداد الأموال المنهوبة، بل وتعتمد مصطلحي "استرداد الموجودات" و"الاسترداد المباشر للممتلكات". أيضا وفي نفس هذا الإطار، تعتمد الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد(25) مصطلح "استرداد الممتلكات". وتشمل الممتلكات وفقا لما نصت عليه الاتفاقيتان "الموجودات بكل أنواعها، سواء أكانت مادية أم غير مادية، منقولة أم غير منقولة، والمستندات أو الصكوك القانونية التي تثبت ملكية تلك الموجودات أو وجود حق عليها"(26) بما من شأنه أن يغطي كافة أشكال "المال المنهوب".
ومهما يكن من أمر، فإن استرجاع الأموال المنهوبة يندرج ضمن الإجراءات الرامية أساسا إلى حماية المال العام وتعويض الضحايا(27) والامتثال للمعايير الدولية. ومع ذلك، يظل التطبيق العملي لهذه الآلية عملية مركبة، إذ تنطلق هذه المرحلة بتحديد وتعقب الأموال، مرورا بتجميدها ومصادرتها وصولا إلى إعادتها إلى تونس وأصحابها الشرعيين وهو أمر يتطلب تحقيقا دقيقا وتنسيقا بين السلطة القضائية والسلطات المالية والجهات الدولية، مما يبطئ عملية التنفيذ ويزيد من صعوبتها. كما أنها معقدة لأنه غالبا ما يتم التفطن إلى الأموال المنهوبة عند أو إثر سقوط أنظمة الحكم، كما يتم إخفاء هذه الأموال في بنوك ومصارف تعرف بالملاذات الضريبية أو الملاذات الآمنة التي لا تخضع إلى الرقابة، بما يجعل من عملية تحديد وتعقب هذه الأموال أمرا صعبا. بالإضافة إلى ذلك مكلفة، ذلك أن الاختبارات والإجراءات القانونية والقضائية الواجب اتباعها في مسار استرجاع الممتلكات يفرض دفع مبالغ هامة من الدولة التونسية التي نهبت أموالها وهو ما يحد من إمكانية تنفيذ الصلح بشكل فعال(28).
وترتيبا على ما سبق، يمكن القول أن قانون الصلح تضمن إيجابية لا يمكن التغاضي عنها أهمها جبر الضرر واسترجاع الأموال المنهوبة، وهو ما يعكس سعي المشرع إلى تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية وإعادة الحقوق إلى أصحابها(29). غير أن التطبيق العملي يكشف عن مجموعة من السلبيات التي لا يمكن التغافل عنها وأبرزها ترسيخ مبدأ الإفلات من العقاب، إذ يتيح لبعض الجناة تجاوز تبعات أفعالهم الإجرامية بمجرد الاتفاق المالي.
الجزء الثاني
ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب
بقراءة أولية لقانون الصلح الجزائي، يلاحظ أنه تأسس على عدة إخلالات قانونية مست بجوهر الدعوى العمومية في تتبع الجريمة ومساءلة مرتكبيها، إذ يسمح عمليا بإيقاف التتبعات أو المحاكمة (الفقرة الأولى) قبل استكمال مسارها الطبيعي، فضلا عن إيقاف تنفيذ العقوبة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : إيقاف التتبع أو المحاكمة:
نصت الفقرة 1 من الفصل 35 (جديد) من القانون عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته على ما يلي: "يترتب عن الصلح الجزائي في صيغته النهائية على معنى أحكام الفصل 28 (جديد) من هذا المرسوم إيقاف التتبع أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة ووضع التدابير المتخذة في حق التصالح..."
ويؤخذ من هذا الفصل أن إبرام الصلح الجزائي النهائي واستيفاء جميع شروطه القانونية يترتب عنه إما إيقاف التتبع أو المحاكمة وذلك حسب المرحلة التي وصلت إليها الإجراءات(30).
ففي مرحلة أولى، يترتب عن إجراء الصلح قبل صدور الحكم البات سقوط حق التتبع في صورة عدم إثارة الدعوى العمومية، حكم قاضي بانقراض الدعوى العمومية في صورة نشر القضية على أنظار المحكمة، إضافة إلى إلغاء العقوبات البدنية والمالية والتكميلية في صورة حكم ابتدائي بها، الإفراج عن المخالف إذا كان موقوفا، عدم تسجيل الصلح بالسجل العدلي المخالف(31)، غير أن هذا التمشي وإن كان يهدف ظاهريا إلى استرجاع الأموال المنهوبة وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية، فإنه يحرم القضاء من بسط رقابته عن الأفعال الإجرامية ويحدّ من فعالية الدعوى العمومية.
أما إيقاف المحاكمة، فيتحقق حين يبرم الصلح بعد تعهد المحكمة بالنظر في القضية، بحيث تتوقف إجراءات التقاضي وتسقط الدعوى العمومية قبل صدور حكم في الأصل(32). وهنا يتحول الصلح إلى وسيلة تحدّ من سلطات القضاء في الكشف عن الحقيقة بما يقر به من دور الشاهد أكثر من دور الحاكم(33).
وبناءا على ما تقدم، يتضح أن هذه المراحل ورغم تبريرها أحيانا بضرورات التسريع في الفصل في الانتهاكات الواقعة في حق الشعب التونسي واسترجاع الأموال المنهوبة وإعادة إدماجها ضمن الدورة الاقتصادية أو توظيفها في مشاريع تنموية، تنتهي في الواقع إلى ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب، فإمكانية إنهاء التتبع أو المحاكمة في أي مرحلة من مراحل التتبع الجزائي يكرّس عمليا منطق الدفع مقابل إنهاء التتبع، وهو ما يعطي انطباعا على أن جرائم الفساد المالي والاقتصادي(34) يمكن تجاوزها عبر تسوية مالية. في حين يتطلب هذا النوع من الجرائم معالجة قضائية تضمن البحث عن الحقيقة وكشفها وتحميل المذنبين المسؤولية عن ارتكاب الانتهاكات، لمساعدة المجتمع على فهم أسباب تلك الانتهاكات سواء ضد الحقوق والحريات أو ضد أموال المجموعات الوطنية حتى لا تعاد(35)، ذلك أن الإفلات من العقاب أو غض النظر عن الانتهاكات في حق الشعوب سيؤدي حتما إلى تكرارها(36).
الفقرة الثانية : إيقاف تنفيذ العقوبة:
يعدّ إيقاف تنفيذ العقوبة أحد أبرز الآثار المترتبة عن الصلح الجزائي، ذلك أن إبرام اتفاق الصلح وتحقق شروطه القانونية(37)، يؤدي حتما إلى وقف تنفيذ الجزاء الأصلي واستبداله بتسوية مالية تنهي النزاع نهائيا دون المساس بمرتكب الفعل. ورغم ما يقدمه هذا الخيار من مزايا عملية كتقليل العبء على القضاء والمؤسسات السجنية وتوفير الوقت وتعزيز العدالة التصالحية، إلا أنه يثير إشكاليات حقيقية تتعلق بقدرة السياسة الجزائية على تحقيق الردع العام والخاص.
فمن جهة، يؤدي إيقاف تنفيذ العقوبة مقابل الاكتفاء بتسوية مالية إلى إضعاف الردع العام، نتيجة انطباع جماعي مفاده أن الجريمة يمكن تجاوز عواقبها بمجرد دفع مقابل مالي وهو ما قد يشجع على التطاول على القانون ويضعف ثقة الأفراد في فعالية السياسة الجزائية للدولة(38).
من جهة أخرى، يتراجع الردع الخاص لأن الجاني لا يواجه العقوبة فعليا في الجرائم التي نص عليها الفصل 1 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 في نسخته المعدلة(39). ولا يختبر آثارها الردعية مما قد يشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم، فهو يعرف أنه إذا ما ضبط فما عليه إلا دفع مبلغ المصالحة والخروج بكل أمن وسلام دون أي أذى يصيبه، فلا يكون هناك أي تردد لديه بين الإقدام أو الإحجام، فلا ضير أن يقدم فإذا ما شعر أن فعلته قد كشفت وأنه في سبيله للعقاب فما عليه إلا دفع المال وإجراء التصالح والنوم بسلام قرير العين(40).
علاوة على ما تقدم، فإنّ تفضيل التسوية المالية على المساءلة القضائية قد يؤدي إلى التمييز بين المخالفين، إذ يستفيد الميسورون ذوو السلطة والنفوذ(41) من آلية الصلح لإنهاء النزاع، وإعفائهم من تطبيق العقوبة، في حين يظل الآخرون ضعاف الحال خاضعين للمساءلة القضائية. وفي هذا الإطار، اعتبر الأستاذ "Lascoumes"(42) المبلغ الصلحي بمثابة المقابل للحصول على حق الإجرام من وجهة نظر المخالف الميسور الحال، وهو ما يخرق مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء، بحيث أن هذا الصلح الجزائي يظل حكرا على فئة معينة من المخالفين دون البقية(43).
هذه الازدواجية في التعامل لا تضعف فقط مبدأ المساواة أمام القانون، بل تكرس عمليا منطق الإفلات من العقاب، إذ يخلق انطباعا بأن الجزاء في الجرائم الاقتصادية يمكن تجاوزه بمجرد دفع مبلغ مالي أو استجابة لالتزامات مالية أخرى، وهو ما ينعكس سلبا على سلطة القضاء في تقرير العقوبة ويفرغ السياسة الجزائية من مفعولها الزجري، دون احترام معايير العدالة الانتقالية المرتكز على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وعدم التكرار(44)، ضمن إطار قانوني يحترم الدستور والمعايير الدولية في مقاومة الفساد وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها تونس(45).
عموما، لئن يعتبر الصلح الجزائي من أهم الآليات البديلة التي تتميز بإجراءات أكثر مرونة لتحقيق النجاعة والسرعة المطلوبة في جبر الضرر المالي للدولة والمجتمع وتحقيق العدالة الجزائية التعويضية، إلا أنه لا يخلو من العيوب التي لا يمكن التغافل عنها لعل أهمها صعوبة ضمان استرجاع الأموال المنهوبة وخطر الإفلات من العقاب، إضافة إلى التأثير المحتمل على وظيفة الردع العام والخاص للسياسة الجزائية. لذلك وجب فرض معايير شفافية واضحة لضمان تطبيق الصلح وفق الأطر القانونية، بما يحقق التعويض العادل للجميع ويعزز الثقة في السياسة الجزائية للدولة.
(1) جمال الخميري، العفو الجبائي، تفاصيل المبادرة وآمال المصالحة، مجلة القانون عدد 140/141، سبتمبر 2012، ص. 32-34.
(2) المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 30 المؤرخ في 21 مارس 2022، ص. 784.
(3) ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، جزء 2، لا وجود لسنة النشر، بيروت، لبنان، ص.345.
(4) شيماء محمد سعيد حضر البدراني، أحكام عقد الصلح، دراسة مقارنة بين القانون والشريعة الإسلامية، الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 2003، ص. 20.
(5) إيمان نصري، الصلح في المادة الصرفية، 2007 – 2008، ص. 1 و 2.
(6) عماد سعايدية، الصلح في الجرائم الجبائية، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس، 2014، ص 15.
(7) Lascaume (P), Servin (E) et Lambert (Th), Transitions et pratiques transactionnelles, Economica, 1987, p. 170 et s.
(8) أمير عمار، العدالة في ميزان المال، الصلح كأداة للانتقائية القانونية، مقال منشور بالموقع الالكتروني، تمت الزيارة بتاريخ 25 أكتوبر 2025. http://nawaat.org
(9) الفصل 1 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 30، المؤرخ في 21 مارس 2022، ص. 784.
(10) الفصل 6 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 30، المؤرخ في 21 مارس 2022، ص. 784.
(11) خالد الكريشي، تونس ... من الثورة إلى الدولة، حديث ما بعد 14 جانفي 2011، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس.
(12) القانون عدد 3 لسنة 2024 مؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 8، بتاريخ 18 جانفي 2024، ص. 284.
(13) الفصل 35 (جديد) من القانون عدد 3 لسنة 2024 مؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 8، بتاريخ 18 جانفي 2024، ص. 284.
(14) القانون عدد 3 لسنة 2024 مؤرخ في 18 جانفي 2024 يتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 8، بتاريخ 18 جانفي 2024، ص. 284.
(15) بوبكر شقير، الصلح في التشريع التونسي، م.ق.ت، عدد 8، أكتوبر 2001، ص. 316 وما يليها.
(16) أنور محمد صدقي، المساعدة، الصلح الجزائي في التشريعات المصرية والتشريعات الاقتصادية، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، عدد 4، السنة 30، ديسمبر 2009، ص. 225 – 226.
(17) محمد رضا الأجهوري، مستقبل التغيير في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية، بيروت، لبنان، 2016، ص. 170.
(18) محمد الناصر الواد، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، م.ق.ت، عدد 5، ماي 2016، ص. 24 وما يليها.
(19) الهادي سعيد، دور أجهزة العدالة الجنائية في الوقاية من الجرائم الناجمة عن النمو الاقتصادي، م.ق.ت، جانفي 1998، العدد الأول، ص. 11.
(20) لطفي بن جدو، تحريك الدعوى العمومية بين المبدأ والاستثناء، م.ق.ت، عدد 8، أكتوبر 2009، ص. 171 وما بعدها.
(21) أمير عمار، العدالة في ميزان المال، الصلح كأداة للانتقائية القانونية، مقال منشور بالموقع الالكتروني، تمت الزيارة بتاريخ 25 أكتوبر 2025. http://nawaat.org
(22) أمر رئاسي عدد 112 لسنة 2020 مؤرخ في 22 أكتوبر 2020 يتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 108 مؤرخ في 27 أكتوبر 2020، ص 2697.
(23) اعتمدت هذه الاتفاقية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1 أكتوبر 2003 ودخلت حيز التنفيذ في 14 ديسمبر 2005، وصادقت الجمهورية التونسية على الاتفاقية بمقتضى القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 18 المؤرخ في 29 فيفري 2008، ص 844 وما بعدها.
(24) معهد إدراك، أكتوبر 2023، ورقة تحليلية حول الأموال المنهوبة في التجربة التونسية، مرجع سابق.
(25) صادقت الجمهورية التونسية على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد بموجب القانون الأساسي عدد 73 لسنة 2016 مؤرخ في 15 نوفمبر 2016، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 94 المؤرخ في 18 نوفمبر 2016، ص 3677.
(26) أكرم عبد الرزاق المشهداني، استرداد الأموال المنهوبة، الكيفية- الإجراءات، الصعوبات والوسائل المتاحة، إصدار المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، سنة 2020، ص 12.
https://legislation-securite.tn/ar/law/54968
تمت الزيارة بتاريخ 1 أكتوبر 2025.
(27) القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 105 مؤرخ في 31 ديسمبر 2013، ص 4335.
(28) معهد إدراك، أكتوبر 2023، ورقة تحليلية جول الأموال المنهوبة في التجربة التونسية طموح وعراقيل www.idrak.tn //:https
تمت الزيارة بتاريخ 1 أكتوبر 2025.
(29) الهادي الأخوة، الصلح الجزائي، مجلة الأخبار القانونية، العدد 368/369، ديسمبر 2023، ص 24.
(30) محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988، ص 185.
(31) منية الصيفي، الصلح مع الإدارة في مادة الجرائم الاقتصادية، لقاء جهوي، حول الجرائم الاقتصادية، نظمه المعهد الأعلى للقضاء بسوسة يوم 28 ماي 1993، ص 90.
(32) عماد سعايدية، الصلح في الجرائم الجبائية، مرجع سابق، ص 67.
(33) أحمد الورفلي، عشرة أعوام من تطبيق مجلة الحقوق والإجراءات الجنائية، احتفال أم احتساب، مجلة القضاء والتشريع، عدد 1، جانفي 2012، ص 16.
(34) نص الفصل 5 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 والمنقح بالقانون عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 والمتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته على أن "إبرام الصلح الجزائي يؤدي بعد تنفيذه إلى تطهير الوضعية القانونية للمصالح من شبهات الفساد المالي والاقتصادي فيما شمله الصلح وإعادة إدماجه في الميدان الاجتماعي والاقتصادي على أساس مبادئ الشفافية والنزاهة".
(35) خالد الكريشي، تونس من الثورة إلى الدولة، حديث ما بعد 14 جانفي 2011، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2016، ص 155.
(36) وليد الرحموني، آليات العدالة الانتقالية، م.ق.ت، عدد 6، السنة 54، جوان 2012، ص 49-58.
(37) تناول الفصلان 35 و36 من القانون عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 المتعلق بتنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، شروط إبرام الصلح وإجراءاته.
(38) آمال عثمان، شرح قانون العقوبات الاقتصادية في جرائم التموين، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983، ص 38.
(39) على الرغم من تنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 بمقتضى القانون عدد 3 لسنة 2024 المؤرخ في 18 جانفي 2024 والمتعلق بالصلح وتوظيف عائداته، إلا أن الفصل 1 لم يشمله أي تعديل والذي نص على ما يلي: "يضبط هذا المرسوم إجراءات الصلح مع الدولة صلحا جزائيا في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والممارسات التي ترتبت عنها منافع غير شرعية أو غير شرعية والتي أنتجت ضررا ماليا للدولة وللجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أي جهة أخرى وذلك تكريسا لمبدأ العدالة الجزائية التعويضية كما ينظم هذا المرسوم طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية مع قاعدة العدل والإنصاف".
(40) Levasseur )J.(, Le droit pénal ééconomique, cours du doctorat, universitéé du caire, 1960-1961, p.250-260.
مأخوذ عن أنور صدقي، المساعدة، الصلح الجزائي في التشريعات المصرية والتشريعات الاقتصادية، مرجع سابق، ص 224-225.
(41) البشير الأحمر، الصلح في الجرائم القمرقية، مجلة القضاء والتشريع، عدد 7، جويلية 1994، ص 9.
(42) Lascoumes )P.(, les affaires ou l’art. de l’ombre, les délinquances économiques et financières et leur contrôle, le centurion, Paris 1986, p.2.
(43) أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية في قانون العقوبات، الشرعية في قانون الإجراءات الجنائية، دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة، 2002، ص 428-430.
(44) خالد الكريش، تونس من الثورة إلى الدولة، مرجع سابق، ص 155.
(45) تمت الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بموجب القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 18 المؤرخ في 29 فيفري 2008، ص 844 وما بعدها.