دور النيابة العمومية في حماية الحريات الفردية

تُعتبر الحريات العامة والحقوق الأساسية حجر الزاوية في بناء دولة القانون، إذ لا يمكن تصوّر نظام ديمقراطي دون احترام لحرمة الذات البشرية وضمان لحقوق الفرد في مواجهة تعسّف السلطة أو المجتمع. ورغم الطابع النظري العام لهذا المبدأ، فإن حمايته الواقعية تتوقّف على وجود مؤسسات قضائية تضمن تطبيقه، من أبرزها النيابة العمومية، فهي "جهاز قضائي له دور أصيل في تحريك الدعوى ومباشرتها أمام القضاء"(1)

كما يتمثل دور النيابة العمومية لا في إصدار الأحكام بل في السهر على حفظ الشرعية وحماية النظام والأمن الاجتماعيين(2) حتى غطى نشاطها في المادة الجزائية بقية مهامها الأخرى القضائية منها وغير القضائية(3)

باعتبارها أحد أهم مكونات السلطة القضائية المختصة بتتبع الجرائم وممارسة الدعوى العمومية. فهي لاعب أساسي في تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في مقاومة الجريمة، وحق الأفراد في صون حريّاتهم وكرامتهم. .وهذا الدور ينسجم مع مهمة تمثيلها للمجتمع ونظامه(4) إضافة الى تميزها بجملة من الخصائص تتمثل في التسلسل والتبعية التدريجية لأعضائها والوحدة وعدم التجزئة.

أما الحريات الفردية هي مجموع الحقوق التي يتمتّع بها الفرد باعتباره كائنًا حرًّا ومستقلاً، وتشمل حرية التنقّل، الحرية الجسدية، حرية الفكر والتعبير، وحقه في الأمان وعدم التعرض للتعسف أو الاعتقال غير القانوني. وقد نص الدستور على أن الدّولة تضمن للمواطنين والمواطنات الحقوق والحرّيات الفرديّة والعامّة وتهيّئ لهم أسباب العيش الكريم(5).

 كما اعتبر حريّة الفرد مضمونة(6). وهذه الحريات تعتبر إحدى الركائز الجوهرية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الحديث، وهي المظهر العملي لكرامة الإنسان وحقّه في تقرير مصيره والتمتّع بوجود قانوني آمن يضمن استقلال إرادته وحماية شخصه. وقد أقرّت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدّمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، بقدسية هذه الحريات واعتبرتها جزءًا لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية التي يجب على الدول صونها وعدم المساس بها إلا وفق الضوابط المشروعة والمحدّدة بدقة.

هذه الحريات ظهرت تاريخيا نتيجة صراع طويل ضد التعسف في استعمال السلطة حيث سعت المجتمعات عبر العصور الى الحد من تسلط أجهزة الدولة. عبر تعزيز دور القضاء باعتباره الضامن الأساسي للحقوق والحريات، وقد شمل هذا التطور مؤسسة النيابة العمومية التي مرّت بتحولات جوهرية عبر التاريخ.

أصبحت من مجرّد هيئة تمثل مصالح الملك في الأنظمة الملكية الأوروبية، إلى جهاز مستقل نسبيًا يمثل الصالح العام في الأنظمة الديمقراطية(7). وقد واكب هذا التطوّر تحوّلًا في وظيفتها، من مجرد جهاز قضائي معنيّ بالملاحقة الجنائية إلى أن أصبحت حامية للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. كما أكدت التوصية الصادرة عن مجلس أوروبا (8)على هذا الدور، معتبرة النيابة العمومية مؤسسة مستقلة ذات دور مزدوج حماية المصلحة العامة وملاحقة الجرائم من ناحية، مع ضمان صون الحقوق الأساسية من ناحية اخرى.

أما في السياق التونسي، ظهر جهاز النيابة في دستور عهد الأمان(9) الصادر في 26 أفريل 1861 ثم بعد ذلك عرف تحولات مهمة في عدة مراحل من تاريخ البلاد، الى حين صدور قانون 34 لسنة 1957 المؤرخ في 27 سبتمبر 1957 الذي ألغي في فصله الأول لقب وكيل الدولة وعوض بلقب وكيل الجمهورية ثم تلاه قانون الأساسي للقضاة(10) الذي ورد في فصله 12 يتألف السلك القضائي من قضاة جالسين ومن أعضاء النيابة العمومية. وبعد ثورة 2011، تمّ التركيز على دور النيابة العمومية في حماية الحريات الفردية ويتجلى ذلك بوضوح في دستور 2014، وتكريس مبدأ قرينة البراءة، والحد من سلطة الإيقاف التعسفي.

على خلاف دستور 2014 اعتبر دستور 2022 القضاء وظيفة مستقلّة يباشرها قضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.(11) يعني أن القاضي لا يجب أن يخضع في إصدار أحكامه لأي سلطة خارج القانون، وأن القضاء سلطة مستقلة لا تتبع أي جهة سياسية أو إدارية، بل تُمارس دورها وفق نصوص القانون، وضمير القاضي، ومبادئ العدالة.

تتأكد اهمية هذا الموضوع من الناحية النظرية من خلال إعادة النظر في التصوّر الكلاسيكي للنيابة العامة كجهاز زجري يُحرّك الدعوى العمومية، نحو فهم أوسع يشمل دورها كطرف يسهر على احترام الحقوق الفردية وحماية كرامة الإنسان أثناء سير الإجراءات الجزائية. مع تطوير النصوص القانونية ذات الصلة، مثل مجلّة الإجراءات الجزائية، بهدف منح النيابة دورًا أكثر توازنًا بين واجب التتبّع وواجب الحماية.

كما تكتسي دراسة دور النيابة العمومية في حماية الحريات الفردية أهمية عملية بالغة، نظرًا لتداخل هذا الدور مع واقع العدالة اليومية، خاصة في مرحلة ما قبل المحاكمة. فالنيابة العمومية تتعامل بشكل مباشر مع قرارات الاحتفاظ، الإيقاف التحفظي، التفتيش، والإفراج، وهي وضعيات تمسّ جوهريًا بحرية الأفراد وحقوقهم الأساسية. ومن هذا المنطلق، يُعدّ فهم كيفية تصرّف النيابة في هذه المراحل أمرًا ضروريًا لتقييم مدى احترامها لمبدأ قرينة البراءة والضمانات الإجرائية. كما تكمن الأهمية العملية للموضوع في الكشف عن التباين بين النصوص القانونية والممارسات الفعلية، ومدى التزام النيابة بالرقابة على أعمال الضابطة العدلية، والتصدّي للتجاوزات، خاصة في ظلّ تزايد الشكاوى حول التعسف في الإيقاف وسوء المعاملة. وبالتالي، فإن تقييم هذا الدور على المستوى العملي يُساهم في تحسين أداء النيابة، وتعزيز الثقة في المؤسسة القضائية، وتكريس ثقافة احترام الحقوق والحريات داخل أجهزة الدولة. وانطلاقا من هذا الدور الذي تقوم به النيابة يطرح الاشكال التالي:

كيف يمكن للنيابة العمومية، أن توازن بين ملاحقة الجرائم وحماية الحريات الأساسية للأفراد؟

وانطلاقًا من هذه الإشكالية، سنتناول بالبحث النيابة العمومية ضامنة للحريات الفردية

(الجزء الأول) غير أن هذا الدور يثير العديد من التحديات التي تواجه النيابة العمومية في حماية الحريات ( الجزء الثاني).

الجزء الأول: النيابة العمومية ضامنة للحريات الفردية

تُختزل وظيفة النيابة العمومية في كونها جهة اتهام، تسعى إلى تتبّع الجريمة وملاحقة مرتكبيها، غير أن هذا التصوّر التقليدي يتجاهل أحد أدوارها الجوهرية، وهو دورها كسلطة حماية، خاصة في مجال الحريات الفردية. فالنيابة، بصفتها جزءًا من السلطة القضائية، لا تتحرك لمجرّد العقاب، بل تسعى إلى تحقيق التوازن بين حق المجتمع في الأمن وحق الأفراد في الحرية.

يُحمّلها القانون مسؤولية الرقابة على مدى احترام الضمانات الأساسية أثناء مختلف مراحل الإجراءات الجزائية، من لحظة الإيقاف إلى غاية المحاكمة، ممّا يجعلها في دور وقائي يحول دون المساس التعسّفي بالحريات ( أ ). كما أنّ النيابة ليست مجرّد أداة لإثبات الجريمة، بل هي أيضًا ملزمة بالبحث عن الحقيقة بكل موضوعية، بما في ذلك جمع الأدلة التي قد تبرّئ المظنون فيه وأن تتعامل مع كل ملف بروح التوازن والحياد، بما يجسّد بصورة عملية الدور الإجرائي للنيابة العامة في حماية الحريات ( ب).

أ – الدور الوقائي للنيابة العمومية في حماية الحريات الفردية

تتجسد الوظيفة الوقائية للنيابة العمومية من خلال إشرافها المباشر على أعمال الضابطة العدلية،

المشار اليهم الفصل 10 من م إ ج عند قيامها بوظائفها. كما تمثل الحق العام وحامية للعدالة وهي التي تمارس دور الرقابة على الشرعية(12) وتتجسد الرقابة من خلال الفصل 29 من م إ ج الذي ألزم سائر السلط والموظفين العموميين أن يخبروا وكيل الجمهورية بما اتصل بعلمهم من جرائم أثناء مباشرة وظائفهم وأن ينهوا إليه جميع الارشادات والمحاضر المتعلقة بها فواجب الاعلام يمثل في أساسه رقابة على أعمال الضابطة العدلية(13) ويتعزز الجانب الوقائي بالفصل 30 من م إ ج "وكيل الجمهورية يجتهد في تقرير مآل الشكايات والاعلامات التي يتلقاها أو التي تنهى اليه" فيصبح تقدير وكيل الجمهورية أداة وقائية ومرنة، توازن بين حماية المجتمع وضمان الحريات الأساسية للأفراد، وتقلل من اللجوء إلى الإجراءات الجزائية القاسية قبل التأكد من ضرورة تدخل العدالة.

كما تتأكد هذه الرقابة من خلال الفصل 19 من م إ ج. الذي ينص على الطابع الفوري لتوجيه الشكايات والاعلامات، اضافة الى تقرير مآل الشكاية إما إحالتها على المحكمة أو حفضها، فإنه يراقب مشروعية الإجراءات ومدى مساسها بحقوق الدفاع وضمانات المشتبه به مكفولة قانونا(14) .

وتظهر الحماية الوقائية بشكل أوضح في الفصل 13 مكرر الذي يلزم الضابطة العدلية أن يمسكوا بالمراكز التي يقع بها الاحتفاظ سجلا خاصا ترقم صفحاته وتمضى من وكيل الجمهورية، مما يضمن منع أي تجاوز يتعلق بمدة الاحتفاظ أو ظروفه مع احترام الحقوق الأساسية للشخص المحتفظ به. وبهذا الدور، تتدخل النيابة قبل أي تقييد فعلي للحرية لضمان بقاء أعمال البحث في حدود الشرعية وفي حماية الحقوق الأساسية للمواطن.

تُعتبر مراقبة شرعية الإيقاف التحفظي إحدى الضمانات الجوهرية التي تهدف إلى حماية الحرية الفردية ومنع التعسّف في استعمال السلطة الجزائية. ويكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة لكونه يمسّ حقًّا أساسيًا من حقوق الإنسان، ألا وهو الحق في الحرية الشخصية، الذي لا يجوز تقييده إلا وفقًا لمقتضيات القانون وبإشراف مباشر من السلطة القضائية.

في هذا السياق، أقرّ المشرّع من خلال مجلة الإجراءات الجزائية، وخاصة بعد تعديلها بموجب القانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرخ في 16 فيفري 2016، جملة من الضوابط التي تهدف إلى ضمان شرعية الإيقاف وتحديد مدّته بدقة. فقد نصّ القانون على ضرورة الحصول على إذن كتابي من النيابة العمومية قبل وضع أي شخص في الحجز الاحتياطي، كما ألزم السلطات الأمنية بإعلام المحتفظ به بحقوقه الأساسية، وفي مقدّمتها حقه في الاستعانة بمحامٍ وحقه في الاتصال بذويه. كما ضبط سقف الاحتفاظ في 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة بإذن معلّل من النيابة، وهي آلية تكرّس مبدأ الرقابة القانونية على كل تقييد للحرية.

كما نظم المشرع في مجلة الإجراءات الجزائية من خلال الفصل 85 الإطار القانوني الذي ينظّم الإيقاف التحفّظي، ويحدّد بدقة الحالات التي يجوز فيها اللجوء إليه، ولا يمدد القاضي فترة الإيقاف الا بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية مع تقديم تعليل مفصّل لقراره. ويبرز من خلال هذا الفصل الدور الحيوي للنيابة العمومية في حماية الحريات الفردية، حيث تتحمل النيابة مسؤولية التأكد من مشروعية الإجراء قبل تقديم طلب الإيقاف، بحيث يُطبق فقط عند وجود قرائن قوية أو مخاطر ملموسة تهدّد الأمن أو تعيق سير التحقيق. ومن خلال هذا التوجّه، تصبح النيابة العمومية الضمانة الأساسية ضد أي استخدام تعسفي للإيقاف، ما يعكس حرص القانون على أن يظل الحق في الحرية الأصل، والإيقاف التحفّظي الاستثناء.

يكمن جوهر حماية الحرية في إلزامية التعليل، إذ لا يكتفي القانون بوجوب اتخاذ القرار، بل يشترط أن يكون معللًا ومبنيًا على معطيات واقعية، وهو ما يجعل طلب النيابة خاضعًا لرقابة قانونية دقيقة. فالتعليل يشكّل آلية رقابية على مدى شرعية الإجراءات، ويمنح المتهم فرصة لمحاكمة عادلة ضمن حدود القانون. كما تمتد مسؤولية النيابة لتشمل متابعة آجال الإيقاف، والتنبيه عند اقترابها من نهايتها، منعًا لأي تجاوز قد يمس بالحرية الفردية ويترتب عنه مساءلة قانونية.

أضافة إلى ذلك يمكن لوكيل الجمهورية أن يطلب من قاضي التحقيق الافراج المؤقت عن المضنون فيه بعد أن يحترم التدابير الواردة بالفصل 86 كليا أو جزئيا(15) .

وهذه الإجراءات تعتبر الأقلّ تقييدًا للحرية عندما تكون كافية لضمان تحقيق العدالة، مثل الرقابة الإدارية، أو منع السفر، أو إلزام المعني بالحضور الدوري، بما يرسّخ مبدأ التوازن بين حماية المجتمع وحقوق الأفراد فهي من جهة، تتولّى مراقبة مدى احترام الضابطة العدلية للآجال القانونية وشروط الإيقاف، ومن جهة أخرى، تضمن حماية الموقوفين من كل تجاوز أو تعسّف يمكن أن ينال من حقوقهم.

لا يقتصر الدور الوقائي للنيابة العمومية على سلطات التتبع أو الحفظ، بل يتعزز من خلال جملة من الآليات البديلة التي كرسها المشرع في مشروع مجلة الإجراءات الجزائية باعتبارها أدوات ناجعة في حماية الحريات وتجنب الزجر غير الضروري، وفي مقدمة هذه الآليات: الصلح، الوساطة، تأجيل التتبع، والإمهال لتصحيح الوضعية. فالنيابة، عندما تلجأ إلى الصلح، تؤسس لمنطق تسوية النزاع خارج الإطار الزجري التقليدي رغم أنه موجود في مجلة الإجراءات الجزائية الحالية إلا أن الجديد في مشروع المجلة هو أن يصبح الصلح بالوساطة عملا اجباريا لان صبغته الاختيارية الحالية لم تساعد على تفعيله وتحقيق النجاعة المرجوة منه مع توسيع قائمة الجرائم التي يمكن الصلح فيها والتي يكون الضرر فيها ذاتي لا يتعدى شخص المتضرر وليس الهيئة الاجتماعية وذلك حسب تقدير وكيل الجمهورية(16).

كذلك من الإجراءات الوقائية الأقل تقييد للحرية تأجيل التتبع على وكيل الجمهورية قبل إثارة الدعوى العمومية أن يتخذ قرارا بتأجيل التتبع في المخالفات والجنح إذا اعترف المضنون فيه بارتكابه للفعل وعبر عن ندمه عما أتاه وتولى جبر الاضرار الحاصلة للمتضرر وقبل هذا الأخير عدم تتبعه""(17) .

هذا الفصل يبرز دور النيابة العمومية كحارسة للحريات الفردية. بمجرد اعتراف المتهم بالواقعة، وتوليه جبر الضرر للمتضرر، مع موافقة الأخير على عدم المتابعة، يعفى المتهم من مقاضاته ما يحدّ من التدخل المباشر في حرية المتهم قبل استنفاد سبل الإصلاح. ومن هذا المنطلق، تضمن النيابة مراعاة المصلحة العامة عبر ضبط السير العادي للعدالة الجنائية من ناحية، وفي الوقت ذاته تحمي حقوق الأفراد وحريتهم من إجراءات قد تكون قاسية من ناحية أخرى. ومن البدائل الأخرى التي تمنحها النيابة العمومية لتجنب الإجراءات القضائية المباشرة،

الامهال لتصحيح الوضعية يمكن لوكيل الجمهورية وقبل إثارة الدعوى العمومية في الجنح والمخالفات أن يمهل المضنون فيه أجلا لتصحيح وضعيته القانونية أو الحصول على الوثائق أو التراخيص اللازمة أو جبر الضرر الحاصل للمتضرر، على أن لا يتجاوز ذلك الآجل مدة ستة أشهر بالنسبة للمخالفة وعام واحد بالنسبة للجنحة يمكن التمديد فيه مرة واحدة ولنفس المدة(18)

إمهال المضنون فيه لتصحيح وضعه القانوني قبل إثارة الدعوى العمومية يعتبر إطارًا عمليًا لحماية الحريات الفردية في المخالفات والجنح. فإتاحة مهلة للمتهم، دون اللجوء الفوري إلى إجراءات تقيد للحرية، يعكس مبدأ التدرج في التدابير الجزائية. ويحدد القانون هذه المدة بستة أشهر بالنسبة للمخالفات وعام واحد للجنح، مع إمكانية التمديد مرة واحدة، ما يوازن بين مصلحة العدالة العامة وحقوق المتهم في حرية التنقل واتخاذ الإجراءات التصحيحية. ومن هذا المنطلق، تُبرز هذه الآلية دور النيابة العمومية ليس فقط كملاحق للجريمة، بل كجهة حامية للحريات الفردية، تعمل على تحقيق العدالة التصالحية وحماية الحقوق الأساسية في نفس الوقت.

يمثل الدور الوقائي للنيابة العمومية حجر الزاوية في حماية الحريات الفردية، فهو لا يقتصر على سلطة إثارة الدعوى أو حفظها، بل يشمل الرقابة على أعمال الضابطة العدلية والإشراف على الإجراءات بما يضمن عدم تجاوز القانون. كما تتجلى الوقاية في استخدام الآليات البديلة مثل الصلح والوساطة، وتأجيل التتبع والإمهال لتصحيح الوضعية، والتي تمنح الأفراد فرصة لإصلاح المخالفات قبل المساس بحرّيتهم. وبهذه الطريقة، تتحول النيابة العمومية إلى سلطة متوازنة تجمع بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات، بما يضمن تطبيق العدالة بطريقة تصالحية ووقائية في آن واحد ولا يتعزز هذا الدور إلا من خلال الممارسة العملية.

ب – الدور الإجرائي للنيابة العامة في حماية الحريات أثناء الإجراءات

يتعزز دور النيابة العامة في حماية الحريات خلال سير الإجراءات عبر جملة من الصلاحيات القانونية التي تجعلها الحامية الفعلية للحقوق أثناء تنفيذ الاحتفاظ والتحقيق. فقد خوّل الفصل 13 مكررًا لوكيل الجمهورية وحده سلطة الإذن بالاحتفاظ وتمديده، وذلك بمقرر مكتوب ومعلّل، بما يشكل ضمانة قوية ضد الاعتقال التعسفي. أما الفصل 13 ثالثًا فقد مكّن المحتفظ به من حق الاتصال بمحامٍ، وهو إجراء لا يُفعّل إلا تحت مراقبة النيابة. وتضيف الفصول 13 رابعًا و13 خامسًا و13 سادسًا ضمانات إضافية، إذ تتيح للمحامي لقاء المحتفظ به، والاطلاع على ملف البحث، وتدوين ملاحظاته، وكل ذلك تحت إشراف النيابة العامة باعتبارها الحامية لحقوق الدفاع. وتؤكد هذه النصوص مجتمعة أنّ النيابة العمومية ليست مجرد سلطة اتهام، بل هي سلطة مكلفة قانونًا بحماية الحرية أثناء سير الإجراءات، عبر مراقبة شرعية التدابير المتخذة واتخاذ كل ما يلزم من قرارات تحفظ كرامة الفرد وحقوقه.

وبذلك تكون النيابة العمومية تبوأت موقعًا وقائيًا محوريًا في حماية الحرية الفردية أثناء تطبيق الإيقاف التحفّظي، إذ تقع على عاتقها مسؤولية التأكد من وجود قرائن قوية ومبررات حقيقية قبل تقديم أي طلب بهذا الخصوص، مع ضمان أن يكون التعليل القانوني مستندًا إلى الوقائع والأدلة الموضوعية. كما تتولى النيابة متابعة مدة الإيقاف عمليًا، وتنبه عند الحاجة لمنع أي تجاوز للأجل القانوني، إلى جانب مساندتها الضمنية الى اللجوء إلى البدائل الأقل تقييدًا للحرية، مثل الرقابة الإدارية أو إلزام المشتبه فيه بالحضور الدوري، عندما تكون كافية لضمان سير التحقيق. خاصة أن طلب الافراج لا يؤذن به الا بناء على طلب من وكيل الجمهورية أو المضنون فيه أو محاميه... ومن خلال هذه الممارسة العملية، تتحوّل النيابة إلى خط دفاع رئيسي يحمي الأفراد من استخدام الإيقاف التحفّظي كأداة تعسف أو عقاب مسبق، ويحقق التوازن بين مصلحة المجتمع في إنفاذ القانون والحفاظ على الحقوق الأساسية للأشخاص، وخاصة الحق في الحرية الفردية.

كما تُعد سلطة حفظ القضايا من أبرز الوسائل التي تمكّن النيابة العمومية من حماية الأفراد من التتبعات الجزائية التي لا تستند الى أدلة كافية، تبرر إثارة الدعوى العمومية. مما يكرّس مبدأ قرينة البراءة ويحول دون الزجّ بأشخاص أبرياء في مسار قضائي دون سند. وتبرز أهمية هذه السلطة في كونها وسيلة فعّالة للحد من إساءة استعمال الحق في التتبع أو من توظيفه كأداة للضغط أو الانتقام، مما يجعل النيابة حائط صد حقيقي أمام الاتهامات الكيدية أو التعسفية التي قد تمسّ بحرية الأفراد وسمعتهم دون موجب قانوني.

يُعتبر دور النيابة العامة في زيارة مراكز الإيقاف والسجون من الآليات الأساسية التي تعزز وظيفتها كحامية للحريات وحقوق الإنسان. ففي العديد من الأنظمة القانونية، تُخوّل النيابة صلاحية الدخول إلى أماكن الاحتجاز دون إشعار مسبق(19)، وهذا ما وقع تبنيه في مشروع مجلة الإجراءات الجزائية بالفصل 133 اذ "يقع الاحتفاظ في أماكن مخصصة للغرض تتوفر فيها أهم المرافق التي تحفظ كرامة المحتفظ به وتكون هذه الأماكن تحت رقابة وكيل الجمهورية الذي يمكنه زيارتها في أي وقت ودون سابق اشعار" مما يمنحها القدرة على المعاينة المباشرة لظروف الإيقاف والمعاملة التي يتلقاها الموقوفين. وتُعدّ هذه الزيارات وسيلة فعّالة لرصد الانتهاكات المحتملة، وتوثيقها في تقارير تُرفع إلى الجهات المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة. وبهذا الإجراء الرقابي، تضمن النيابة احترام الكرامة الإنسانية داخل المؤسسات السجنية، وتُسهم في الوقاية من التعذيب وسوء المعاملة، بما يعكس التزام الدولة بمبادئ العدالة والإنصاف.

يمثل تحريك الدعوى العمومية ضد منتهكي الحريات أحد أبرز تجليات دور النيابة العامة كضامن للحقوق، لا كأداة في يد السلطة. إذ تملك النيابة صلاحية فتح التحقيق ومباشرة التتبعات ضد أعوان الدولة الذين يُشتبه في تورطهم في أفعال تمس من كرامة الأفراد، كالتعذيب أو الاحتجاز دون سند قانوني. ومن خلال هذه الصلاحية، تكرّس النيابة مبدأ المساواة أمام القانون، وتؤكد أن الحصانة الوظيفية لا تعني الإفلات من العقاب. وهذا ما ورد بمشروع م إ ج بالفصل 51 على أعضاء النيابة العمومية احترام مبدأ التوازن بين الأطراف دون استثناء ويمكنهم تتبع أي شخص مهما كان مركزه يرتكب فعلا يعاقب عليه القانون الجزائي الوطني او المعاهدات المصادق عليها.

 يعكس هذا الدور طبيعتها كـ"رقيب على السلطة"، فهي تسهر على التزام جميع الجهات، بما فيها الأمنية والإدارية والسياسية، بالقانون واحترام الحريات الأساسية، وهو ما يُعزّز ثقة المواطنين في العدالة ويُرسّخ سيادة القانون.

أما في الجرائم المتلبس بها يخوّل لوكيل الجمهورية الانتقال على عين المكان، لمعاينة الآثار المادية للجريمة كما أعطى الفصل 34 من م. إ. ج. لوكيل الجمهورية في الجنايات والجنح التلبس بها مع سلطة التتبع جميع ما لحاكم التحقيق من سلط كالتفتيش جميع الأماكن التي من الممكن أن تساعد على الكشف الحقيقة. 

يعني أنّ المشرّع، رغم منحه وكيل الجمهورية سلطات واسعة في حالات التلبّس، قد ألزمه في الوقت نفسه بحماية الحريات الفردية عند ممارستها. فانتقال وكيل الجمهورية إلى مسرح الجريمة وإجراؤه للتفتيش يهدفان أساساً إلى تثبيت الأدلة قبل زوالها، غير أن هذه الإجراءات لا تُعدّ مطلقة، إذ يحيطها القانون بجملة من الضمانات التي تمنع تحولها إلى وسيلة للمساس بحرمة المسكن أو انتهاك خصوصية الأشخاص. وفي التطبيق العملي، يُفترض في وكيل الجمهورية أن يوازن بين حاجيات البحث من جهة وحقوق الأفراد من جهة أخرى، فيتدخل للإشراف على أعمال الضابطة العدلية ولمنع أي تجاوز يمكن أن يبرَّر خطأ تحت غطاء حالة التلبّس. وبهذا الدور الرقابي تصبح النيابة العامة أداة لحماية الحريات لا مجرد آلية للتحقيق، إذ تضمن أن يكون كل إجراء استثنائي مبرّراً وضرورياً ومتوافقاً مع الضمانات التي أقرّها القانون.

لا يقتصر دور النيابة على مرحلة ما قبل المحاكمة، بل يشمل مراقبة تنفيذ الأحكام القضائية، حيث تتحقق من التزام السجون والمؤسسات العقابية بالقواعد القانونية والمعايير الإنسانية، بما يضمن عدم المساس بالحقوق الأساسية للموقوفين والمحكوم عليهم.

ورغم وضوح الإطار القانوني، فإنّ الممارسة تكشف عن نقائص موضوعية وهيكلية تحدّ من فعالية هذه الرقابة. فالنيابة العمومية، رغم طابعها القضائي، تبقى تابعة تنظيميًا لوزير العدل، مما قد يحدّ من استقلال قرارها ويؤثّر على حيادها في بعض الملفات ذات الطابع السياسي أو الأمني. كما أنّ الضغط الوظيفي وكثرة الملفات يؤديان أحيانًا إلى رقابة شكلية وهذا محور الجزء الثاني.

الجزء الثاني: التحديات التي تعيق النيابة العمومية في حماية الحريات

يمكن القول إنّ النصوص القانونية التونسية أرست منظومة رقابية متقدّمة من حيث المبدأ، غير أنّ تفعيلها على أرض الواقع يستدعي التوقف عند عدد من المعوقات التي تحول دون تحقيق النجاعة المطلوبة في أداء دور النيابة كحامية للحقوق والحريات ، و يُفترض فيها أن تكون خط الدفاع الأول عن الحريات الأساسية ومراقباً حذراً لشرعية الإجراءات الجزائية، الا أن الواقع تشريعي والمؤسساتي يقلص من هامش استقلاليتها. وتتجلى هذه المعوقات في محورين أساسيين محدودية استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية ( أ ) إضافة الى القيود الواقعية التي تحدّ من نجاعة حماية الحريات لذا لا بد من التفكير في آفاق تطوير هذا الوضع( ب)

أ – محدودية استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية

تواجه النيابة العمومية تحدّيًا جوهريًا يتمثل في محدودية استقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها على حماية الحريات الفردية. فرغم إقرار الفصل 117 من الدستور التونسي(20) باستقلال القضاة وخضوعهم للقانون وحدة في آداء مهامهم، فإنّ النيابة العمومية لا تزال خاضعة في جزء من عملها لسلطة الإشراف الإداري لوزير العدل، مما يضعف من حيادها عند اتخاذ قرارات تمس الحرية، وخاصة في الملفات ذات الحساسية. كما تتجلى هذه التبعية من خلال مبدأ ملائمة التتبع الذي لا يخلو من نقائص باعتبار أن النيابة العمومية قد تتخذ قرار الحفظ أو الاثارة بناء على تعليمات أو توجيهات سياسية معينة بما يؤول معه الامر الى تسييس القضاء أو الى الاجحاف بحقوق المتهم او المتضرر"(21). 

هذه الوضعية قد تُفضي عمليًا إلى تداخل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وهو ما يُعدّ تهديدًا مباشرًا لمبدأ الفصل بين السلط، وبالتالي لمسؤولية النيابة أيضا في صون الحرية الفردية للمواطنين. وعليه، يقتضي تكريس حماية فعليّة للحريات الفردية من خلال إقرار الاستقلال التام للنيابة العمومية عن السلطة التنفيذية، بما يسمح لها بأداء وظائفها القضائية بعيدًا عن أيّ تأثير أو توجيه خارجي.

تتجلى هذه التبعية أيضا من خلال الفصل 21 من م إ ج. على النيابة العمومية أن تقدم طلبات كتابية طبقا للتعليمات التي تعطى لها..." هذا الفصل يلزم النيابة بتقديم طلباتها وفقًا “للتعليمات التي تُعطى لها”، وهو ما يُبرز الطبيعة الإدارية للنيابة ويضعف استقلاليتها الوظيفية في مباشرة الدعوى العمومية. وهذا يدحض مقولة أن النيابة حامية للحريات واحترام الشرعية، فإن هذا النص يجعل تدخلها محكومًا بتوجيهات قد لا تكون دائمًا منسجمة مع مقتضيات الحياد والمصلحة العامة، خصوصًا في الملفات التي تمسّ بحرية الأفراد أو تتعلق بتجاوزات داخل أماكن الاحتجاز. ويُخشى، في ظل هذا الإطار التشريعي، أن تتأثر قرارات النيابة باعتبارات سياسية أو تعليمات ظرفية، بما يحدّ من قدرتها على إثارة الأبحاث أو مراقبة شرعية الإجراءات بصورة مستقلة. ومن هنا فإن الفصل 21 يمثّل أحد أهم مواطن الضعف في البناء القانوني للنيابة العمومية، إذ يعمّق فجوة واضحة بين المبادئ النظرية التي تقدّم النيابة كضامن للحريات، وبين الواقع التشريعي الذي يبقيها خاضعة لتوجيهات السلطة التنفيذية، في تعارض مع المعايير الدولية التي تشترط استقلال النيابة لضمان حماية فعالة للحقوق الأساسية.

وهذه التبعية أيضا قد تكون عائقا لتحقيق المساواة بين المتقاضين، وإرساء نظام ديمقراطي يحافظ على علوية القانون"(22). أي أنّ المتقاضين يصبحون عرضة لممارسات تفتقر للموضوعية، سواء على مستوى تحريك الدعوى العمومية أو توجيه الاتهام أو متابعة سير الأبحاث، ولا يقف تأثير هذا الخلل عند حدود التطبيق العملي، بل يتجاوز ذلك ليُقوّض مرتكزات النظام الديمقراطي القائم على استقلال السلط وتوازنها، وعلى خضوع الجميع لسلطان القانون باعتباره المرجع الأعلى في تنظيم العلاقات وضمان الحقوق.

إلى جانب غياب الاستقلالية الكاملة، تعاني النيابة العامة ازدواجية واضحة في وظائفها: فهي من جهة تمثّل سلطة الاتهام المكلفة بالبحث عن الأدلة، ومن جهة أخرى مكلفة قانونًا بضمان الحقوق الأساسية للمشتبه فيهم. هذا التناقض يظهر بوضوح في ممارسة سلطة الإذن بالاحتفاظ وتمديده وفق الفصل 13 مكرر، حيث تمارس النيابة صلاحية تقييد الحرية وفي الوقت نفسه مطلوب منها حماية هذه الحرية، مما يخلق تنازعًا وظيفيًا قد يؤثر على حيادها. لذلك تساءل أحد الفقهاء هل يمكن للنيابة العامة أن تكون في نفس الوقت خادما لسيدين القانون من جهة والحكومة من جهة اخرى(23).

إضافة الى هذه محدودية المتمثلة في استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية والتي تعتبر عائقًا جوهريًا، فإن الواقع العملي يضيف إليه مجموعة من القيود الملموسة التي تحدّ من فعالية حماية الحريات، لتصبح هذه الأخيرة رهينة كل من الإطار الهيكلي و القانوني.

ب – القيود الواقعية التي تحدّ من نجاعة حماية الحريات الفردية

على المستوى العملي، تواجه النيابة العمومية تحدّيات موضوعية تحدّ من قدرتها على القيام بدورها الرقابي في حماية الحرية الفردية. فمن جهة، تعاني مكاتب النيابة من ضغط كبير في عدد الملفات ونقص في الموارد البشرية والوسائل اللوجستية(24)، مما يجعل الرقابة اليومية على أعمال الضابطة العدلية غير ممكنة في جميع الحالات، رغم ما يفرضه الفصل 13 مكررًا من واجب مراقبة سجل الاحتفاظ وضمان احترام مدته القانونية.

ومن جهة أخرى، فإنّ تطبيق الضمانات التي أقرّتها الإصلاحات الحديثة، وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الدفاع، ما تزال تواجه صعوبات. فعلى الرغم من منح المحتفظ به حق الاتصال بمحامٍ ، إلا أنّ الممارسة تكشف عن عراقيل عديدة تتعلق بتأخير الاتصال بالمحامي أو صعوبة الاطلاع على الملف في الوقت المناسب.

وتتدعّم هذه القيود من خلال أحكام الفقرة الثالثة من الفصل 206 من نفس المجلة التي نصت على أنه " إذا لم يكن في ذلك اليوم جلسة فوكيل الجمهورية أن يأذن بوضع المضنون فيه بمحل الإيقاف بمقتضى بطاقة إيداع "حيث يجرد المدعى عليه من كل حماية قضائية لحريته ويجعله تحت رحمة سلطة لا تتمتع بأي ضمانات من الاستقلال والحياد فتكون خصما وحكما في نفس الوقت"(25) كما أن هذا الفصل لا يتضمن ضمانات كافة للمشتبه به ويظهر ذلك من خلال عدم تحديد الشروط أو الحالات التي يمكن فيها لوكيل الجمهورية اصدار بطاقات إيداع وترك الأمر لاجتهاده المطلق، لذا يجب ضبط شروط دقيقة لإصدار بطاقة إيداع خاصة أن المشرع يتبنى مفهوم موسع للتلبس.

هذا المفهوم، لم يحصره في مشاهدة الجريمة أثناء ارتكابها، بل أدرج ضمنها حالات أخرى تقوم على قرائن قوية، مثل العثور على المظنون فيه بعد وقت وجيز من الفعل حاملًا لآثاره أو محمولًا بما يدلّ عليه، أو كونه محلّ مطاردة مباشرة. ويمنح هذا التوسيع للضابطة العدلية صلاحيات استثنائية للتدخل السريع وجمع الأدلة دون القيود الإجرائية المعتادة. غير أنّ هذا الامتداد في مفهوم التلبّس، وإن كان يهدف إلى رفع نجاعة البحث، يظلّ مثيرًا للقلق من زاوية حماية الحريات الفردية لما يفتحه من هامش تقديري واسع قد يؤدي إلى تجاوزات إذا لم يُحَط بضمانات دقيقة وصارمة.

للمحافظة على حرية المشتبه به يمكن توقيف التنفيذ أو تعليقه مؤقتا حتى يقع البت في سبب التوقيف وهو حل يهدف الى إقامة التوازن بين مصلحتين متضاربتين لا يمكن تغليب احداهما على الأخرى بصفة مطلقة للحفاظ على امن المجتمع من ناحية وضمان محاكمة عادلة للمشتبه به من ناحية أخرى وما قد ينجر عن عملية التنفيذ من آثار سلبية على حريته.

كما أنّ طول مدد الإيقاف التحفظي والسهولة التي يُمنح بها التمديد تُفرغان الضمانات الإجرائية من محتواها، مما يستوجب مراجعة المدد القانونية وتدعيم الرقابة القضائية الفورية على قرارات التمديد. إنّ تقليص فترات الحرمان من الحرية خلال مراحل التحقيق الأولي من شأنه أن يُعيد التوازن بين مقتضيات النظام العام وحقوق الدفاع، ويُجسّد عمليًا مبدأ أن الحرية هي الأصل، والتقييد هو الاستثناء.

قد ورد في الشأن قرار تعقيبي يعتبر أن التمديد في مدة الإيقاف التحفظي مع عدم احتساب مدة الإيقاف التحفظي الأولى فيه مساس بمصلحة المتهم الشرعية والحال أن النتيجة القانونية التي تفرض نفسها هو بطلان الإجراء تطبيقا لمقتضيات الفصل199 من م إ ج الذي ينص على أن تبطل كل الاعمال والاحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائية الأساسية أو لمصلحة المتهم الشرعية(26) أما الإفراج المؤقت، فاستئناف وكيل الجمهورية يحول دون تنفيذ قرار الافراج أو التدبير(27) مما يشكل تدخلاً مباشرًا في الحد من الحرية الفردية للمظنون فيه، إذ يمكن للنيابة أن تمنع تنفيذ قرار قضائي يحرر المحتجز أو يخفف التدبير المتخذ بحقه، حتى ولو لم يكن هناك مبرر ملموس لذلك. وهذا نظريا، يعكس الدور الوقائي للنيابة في حماية مجريات التحقيق واستكمال جمع الأدلة، لكنه في الواقع يمثل قيدًا على الحرية الشخصية وحق الفرد في الإفراج الفوري عند عدم وجود سبب قانوني لاستمرار الاحتجاز. لذا حين يُستخدم التقدير النيابي بطريقة واسعة أو غير متناسبة مع الواقع، يجعل الحرية الفردية رهينة لممارسة السلطة الرقابية للنيابة.

من بين الممارسات العملية التي تقيد الحرية الفردية، تبرز سلطة وكيل الجمهورية ولو في غير صورة الجناية أو الجنحة المتلبس في اصدار قرار في التفتيش على المكاتبات الموجهة لذي الشبهة أو الصادرة عنه وفي حجزها ويجب عليه أن لا يطلع عليها ما لم يكن هناك خطر ملم(28)

هذا الفصل يمنح لوكيل الجمهورية سلطة التفتيش على المكاتبات وحجزها، حتى في غير حالات الجناية أو الجنحة المتلبس بها، مع اشتراط وجود خطر ملموس قبل الاطلاع، يُعد تدخلاً على الحرية الفردية، خصوصاً في حالات التي يكون فيها الأشخاص من ذوي الانتماءات السياسية أو الخصوم السياسيين. ففي هذه الظروف، قد يُستغل هذا الإجراء لأغراض رقابية أو لتضييق على حرية التعبير والممارسة السياسية، ما يحوّل أداة قانونية تهدف للحماية والوقاية إلى وسيلة ضغط على الأفراد وتهديد للحقوق الأساسية. وعلى الرغم من أن الشرط القانوني للخطر الملموس يحد من هذا التدخل، فإن فعاليته الواقعية تعتمد على مدى التزام النيابة بضمانات القانون وعدم الانحراف نحو استهداف سياسي.

رغم التحديات الملموسة التي تواجهها النيابة العمومية كمحدودية استقلاليتها عن السلطة التنفيذية والقيود العملية التي تحدّ من فعالية تطبيق النصوص القانونية. وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إنّ الحرية الفردية في المسار الجزائي التونسي ما تزال مهدّدة رغم وجود نصوص قانونية تُقرّها وتعلن حمايتها. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في صياغة القواعد، بل في تفعيلها ضمن ممارسة قضائية ومؤسسية تحترم روح الدستور ومبادئ حقوق الإنسان. ولتحقيق حماية فعليّة للحريات الفردية يمرّ حتمًا عبر إصلاحات تشريعية وهيكلية تضمن استقلال القضاء، وتُكرّس الرقابة على أعمال التتبّع والتحقيق، وتُعيد الاعتبار لمبدأ أن الحرية هي الأصل، والتقييد استثناء لا يُلجأ إليه إلاّ في أضيق الحدود ووفق ضمانات دقيقة وصارمة. ومع ذلك، يظل المجال متاحًا لتطوير دورها وتعزيز آليات حماية الحقوق والحريات الفردية، ما يرسخ مكانتها كمؤسسة مركزية توازن بين حماية المصلحة العامة وصون الحريات الأساسية.


(1) Moncef Bouguerra, Le ministère public en droit tunisien, organisation, attribution, mémoire de « DES », Faculté de droit et des sciences politiques et économiques, Tunis, 1974-1975, p 7.

(2) Coderch , le rôle du ministère public ,Rev, jur, pol. 1974, p 142 .

(3) Rassat, le ministère publique entre son passé et son avenir, L. G. D. J 1967.

(4) Perdriau, la communication au ministère public dans les procédure collective de redressement eh de liquidations , D, 1983, chron.12 et s.

(5) الفصل 22 تحت عنوان الحقــوق والحريّات من الباب الثّاني من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 من شهر ذي الحجة الحرام 1443 الموافق لـ 25 جويلية 2022

(6) الفصل 26 تحت عنوان الحقــوق والحريّات من الباب الثّاني من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 من شهر ذي الحجة الحرام 1443 الموافق لـ 25 جويلية 2022.
(7) محمود سمير عبد الفتاح، النيابة العمومية وسلطتها في انهاء الدعوى الجزائية بدون محاكمة، الدار الجامعية بيروت، سنة 1991، ص 14.

(8) Conseil de l’Europe, Recommandation Rec(2000)19, «Missions du ministère public», par. 1.p 9.

(9) إبراهيم عبد الباقي، المراحل التاريخية لتطور الدعوى العمومية، م. ق. ت. سنة 1971، ص 353

(11) قانون عدد 29 لسنة 1967 مؤرخ في 14 جويلية 1967 يتعلق بنظام القضاة والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة

الفصل 117 تحت الباب الرابع – الوظيفة القضائية من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 من شهر ذي الحجة الحرام 1443 الموافق لـ 25 جويلية 2022.

(12) نجوى الغربي، العلاقة بين الضابطة العدلية والنيابة العمومية، رسالة لنيل شهادة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء، السنة القضائية 1992 – 1993، ص 70.

(13) انظر كذلك الفصل الفقرة الثانية من الفصل 50 من مشروع مجلة إ ج الذي ينص على أن " تشرف النيابة العمومية في نطاق صلاحياتها على الضابطة العدلية وتراقب جميع الابحاث الأولية.

(14) محمد اللّجمي، إحرام الذات البشرية في التشريع الجزائي التونسي، م ق ت، نوفمبر 1997 ص 40.

(15) الفقرة الثانية من الفصل 86 من م إ ج. "الإفراج المؤقت يمكن أن يأذن به قاضي التحقيق بعد الاستنطاق وبضمان أو بدونه، مع مراعاة القيود التي يفرضها كليا أو جزئيا من بينها:

اتخاذ مقر له بدائرة المحكمة،
عدم مغادرة حدود ترابية يحددها القاضي إلا بشروط معينة،
منعه من الظهور في أماكن معينة،
إعلامه لقاضي التحقيق بتنقلاته لأماكن معينة،
التزامه بالحضور كلما دعاه لذلك والاستجابة للاستدعاءات الموجهة له من السلط فيما له مساس بالتتبع الجاري ضده. »

(16) الفصل 68 من مشروع مجلة الإجراءات الجزائية.

(17) الفصل 73 من نفس المرجع.

(18) الفصل 75 من المرجع السابق.

(19) L'article D.176 du Code de procédure pénale français, réformé en 2022, stipule que le juge de l'application des peines, le président de la chambre de l'instruction et le procureur de la République doivent visiter les établissements pénitentiaires. Ces visites sont régies par les articles D. 131-2, D. 131-3 et D. 131-4 du code, qui précisent les modalités et les conditions de ces visites.

(20) الفصل 117 من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 25 جويلية 2022 سابق الذكر.
(21) هدى طالب علي، أستاذة مساعدة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، مقال بعنوان ، النيابة العمومية في المنظومة الجديدة للقضاء العدلي، من مجلة القضاء والتشريع، في جوان 2015، ص 68-69.

(22) عز الدين العرفاوي، مقال بعنوان، استقلالية النيابة العمومية، في ملتقى حول اصلاح مرفق القضاء، بكلية القوق والعلوم السياسية بتونس بتاريخ 10 ماي 2013 ص 3.

(23) Volff, Jean, Le ministère public, PUF, “Que sais-je ?” n°3394, Paris 1998, p 127.

(24) الاستشارة الوطنية حول إصلاح المنظومة القضائية، وزارة العدل، ديسمبر 2013، ص 38.

(25) عمرو واصف الشريف، النظرية العامة في التوقيف الاحتياطي، منشورات الحلبي الحقوقية، طبعة 2004، ص 308.

(26) قرار تعقيبي جزائي، عدد 24127 بتاريج 15/ 06/ 2021.

(27) الفقرة الثانية من الفصل 87 من م. إ. ج.

(28) الفقرة الثانية من الفصل 99 من م. إ. ج.

 

زينب عاشوري متحصلة على الدكتوراه في القانون الخاص بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس المنار