الملخص
إن تنازع الاختصاص بين القضاء العسكري والقضاء العدلي مسألة حساسة ومعقدة في العديد من الدول. ويتمثل هذا التنازع في صراع السلطات بين القضاءين لتحديد مرجع النظر في الجرائم التي ينبغي لكل منهما الفصل فيها. حيث يشهد كلاهما تنازعاً دائماً ويختلفان في اختصاصاتهما وقوانينهما وأسسهما. ويرجع ذلك إلى أن القضاء العسكري يعنى بالجرائم العسكرية التي تتعلق بالقوات المسلحة والأمن الداخلي، بينما يعنى القضاء العدلي بالجرائم المدنية والجنائية التي ترتكب من قبل المدنيين وتتعارض الاختصاصات في بعض الأحيان، وذلك عندما ترتكب جريمة من قبل شخص ينتمي إلى الجيش أو الأمن الداخلي، وفي هذه الحالات تواجه المحاكم تحدياً في تحديد الجهة المختصة بمحاكمته، وتتنوع أنواع الجرائم التي يتداخل فيها الاختصاص بين القضاءين، ويتم تحديد الاختصاص بناءً على عدة معايير وقواعد قانونية. وتختلف هذه القواعد من بلد لآخر ولكن عادة ما تنص على أن يكون القضاء العسكري هو الجهة المسؤولة عن معاقبة ال جرائم التي ترتكب من قبل أفراد الجيش والقوات المسلحة، بينما يتعامل القضاء العدلي مع الجرائم التي يرتكبها المدنيون.
Abstract
The conflict of jurisdiction between the military judiciary and the judicial judiciary is a sensitive and complex issue in many countries. This conflict is represented by a struggle between the authorities between the two judiciaries to determine the reference for examining the crimes that each of them should adjudicate. Both of them witness constant conflict and differ in their specializations, laws, and foundations.
This is because the military judiciary is concerned with military crimes related to the armed forces and internal security, while the judicial judiciary is concerned with civil and criminal crimes committed by civilians, and jurisdictions sometimes conflict, when a person belonging to the army or internal security commits a crime.
In these cases, the courts face a challenge in determining the authority competent to try him. The types of crimes in which jurisdiction overlaps between the two judiciaries vary, and jurisdiction is determined based on several legal standards and rules.
These rules vary from one country to another, but usually stipulate that the military judiciary is the body responsible for punishing crimes committed by members of the army and armed forces, while the judicial judiciary deals with crimes committed by civilians.
المقدمة
تضطلع الدولة بواجبات عدة أوكدها حماية المجتمع ضد الأخطار التي تهدد وجوده وأمنه أو تعرض قيمه ومؤسساته ومصالحه للخطر [1]، حيث يتولى القانون الجزائي هذه المهمة من خلال تحديده للجرائم والعقوبات المترتبة عنها في حين يتدخل قانون الإجراءات الجزائية لتحديد كيفية تطبيق هذه الأحكام بتحديد إجراءات اثبات الجريمة وإسنادها لمرتكبها وتسليط العقوبة عليه.
ولقد كرس المشرع هذه الحماية من خلال العمل على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة المراد حمايتها واحترام الحقوق والحريات. ومن أهم مظاهر هذا التوازن هو ما يتعلق بقواعد الاختصاص التي تعتبر من قواعد النظام العام التي لا يمكن مخالفتها وإلا كانت عرضة للإبطال.
ومما لا شك فيه أن تنازع الاختصاص بين القضاء العسكري والقضاء العدلي موضوعا محوريا في النقاش القانوني، فهو يتصل بالعديد من الجوانب الحساسة والمهمة، ويتعلق بتحديد السلطات والصلاحيات القضائية في المجتمع. ويعد هذا التنازع ظاهرة متفردة تتراءى فيبعض الدول وخاصة البلاد التونسية التي تحتفظ بالقضاء العسكري كجزء من منظومة القضاء .[2]
إن المشرع التونسي عند سنه لقانون القضاء العسكري حرص أن يكون متفقا في ذلك مع المبادئ الدولية التي تنادي دائما بالالتزام بالقواعد القانونية لحصر اختصاص المحاكم العسكرية، فالدولة تبسط سيادتها وتحميها بواسطة الجيش الوطني الذي تخول له مهمة حماية السيادة الوطنية من أي تدخل خارجي يهدد السلامة الترابية للوطن، وقد حذا المشرع التونسي حذو التشريعات المقارنة بوضعه قانونا خاصا للفئة العسكرية ومن هم في حكم العسكريين [3]، ويتجسد ذلك بالفصل في النزاعات والحقوق .
و لعل أن خضوع العسكريين لقانون القضاء العسكري يحول دون تطبيق القانون العدلي، إلا أنه احيانا ما يرتكب العسكري جريمة فيكون القضاء العدلي مختص بالفصل في الدعوى العمومية رغم توفر الصفة العسكرية إذا كانت الجريمة قد وقعت خارج نطاق الخدمة العسكرية [4]، حيث تعرض نفس الدعوى أمام جهات القضاء العسكري مما يسبب أحيانا تنازعا في الاختصاص بين جهات القضاء العدلي والعسكري فتقرر كل منهما باختصاصهما أو عدم اختصاصهما في الدعوى.
ومن أجل ذلك قد وضع المشرع التونسي قواعد وأحكام للفصل في التنازع وتنظم هذه الحالات وتقرر الجهة المختصة في الفصل فيه، وهذا ما يعرف بتنازع الاختصاص بين القضاء العدلي والقضاء العسكري الذي يمثل موضوع المذكرة. الاختصاص يعرف لغة بأنّه التخصيص والتمييز، أي إفراد شخصٍ معيّن بشيءٍ ما دون غيره من الأفراد، وهو خلافٌ للعموم. و يتجلى هذا في قوله تعالى “يختص برحمته من يشاء ذو الفضل العظيم "[5] . فالاختصاص هو السلطة التي يخولها القانون لمحكمة ما من المحاكم في التنظيم القضائي للفصل في قضية معنية.[6]
في حين يقصد بالتنازع هو الخلاف القائم بين محكمتين بشأن اختصاصهما بالنظر في دعوى معينة [7]. وتنازع الاختصاص يمكن أن يكون مجال حدوثه بين محكمتين عسكريتين، ومن المحتمل ايضاً ان يحدث بين محكمة عسكرية ومحكمة جزائية عادية. هذا التنازع يحدث تضارب في الاختصاص بين طرفين سواء بين قضاة تحقيق أو قضاة حكم مرتبط بمحكمة أساسية واحدة، أو بين طرفين مرتبطين بمحكمتين أساسيتين ، ومحكمتين جنائيتين ، ومحكمة عادية واحدة ومحكمة خاصة [8].
وتنازع الاختصاص يكون في صورتين، تتمثل الصورة الأولى في تنازع الاختصاص الايجابي ويتحقق عندما تدعي محكمتين اختصاصهما بالنظر في ذات الدعوى. وأما الصورة الثانية من التنازع فتتمثل بـتنازع الاختصاص السلبي وهي على العكس الصورة الأولى ويتحقق عندما تقر محكمتين عدم الاختصاص بالنظر في الدعوى مما يعرقل سير الإجراءات ويعلق امر البت فيها ويعطل سير العدالة [9].
ويشترط لقيام تنازع الاختصاص سواء اكان سلبياً أو ايجابياً توفر شروط تتمثل أساسا في، صدور حكمان متعارضان في مسألة الاختصاص، وأن يكونا نهائيان، كما يشترط أن يكون الخلاف على الاختصاص قائماً بين جهتين قضائيتين تابعتين لنظام قضائي واحد كأن يكون بين محكمتين عسكريتين أو محكمة عسكرية وأخرى عدلية لأن الأولى تابعة لنظام القضاء العسكري، اما الثانية فهي ضمن نظام القضاء الجزائي. اما إذا كان الخلاف قائماً بين جهتين قضائيتين تتبع كل واحدة منهما نظاماً قضائياً يختلف عن الأخرى كأن يكون بين محكمة عسكرية وأخرى إدارية فهنا نكون بصدد تنازع على الولاية أو الوظيفة القضائية وليس على الاختصاص [10].
وقد أثارت طبيعة القضاء العسكري جدلا واسع لدى الفقه الجزائي وقد انقسمت آراءهم إلى اعتبار أن القضاء العسكري هو ذو طبيعة مزدوجة بين قضاء تأديبي وقضاء جنائي، واتجاه اعتبره قضاء استثنائي دائم لأنه يختص بالنظر في جرائم معينة ويحاكم أشخاص معينين أما الاتجاه الأخر اعتبر القضاء العسكري قضاء خاص لأن قانون العقوبات العسكرية هو قانون جنائي خاص ينظم جرائم معينة يرتكبها أشخاص ذو صفة خاصة.[11]
وقد تم تنظيم القضاء العسكري بقوانين خاصة تضبط أصوله وإجراءاته، ولذلك يطُلق عليه اسم القضاء الاستثنائي. فهو يعد موضوع اهتمام مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية، حيث تم تحديد اختصاصه من خلال الاختصاص الترابي والاختصاص الموضوعي ثم الاختصاص الشخصي[12]، وبالتالي فالقضاء العسكري هو قضاء ذات طبيعة متخصصة وذلك نظرا للصفة التي يتمتع بها مرتكب الجريمة كونه عسكريا ونظرا لصفة الدوام التي تتمتع بها هذه المحاكم.
في حين يرتبط القضاء العدلي بعلاقة وثيقة بنزاعات المواطنين، مما يجعله القضاء الأساسي
والمشهور بالقضاء العادي، وذلك لتمييزه عن القضاء العسكري الذي يختص بشؤون العسكريين. ويشمل القضاء العدلي التقاضي بين الأفراد سواء كانت الدعاوى المرفوعة من قبلهم مدنية أو جزائية.
ويستند القضاء العسكري في ادائه لمهامه على جملة من الأحكام التشريعية والترتيبية، وهي...